الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

فرع .

في مواطن ورد الشرع بالنهي عن الصلاة فيها :

أحدها : المزبلة ، والمجزرة ، والنهي فيهما لنجاسة الموضع . فلو فرش ثوبا أو بساطا طاهرا ، صحت صلاته ، ولكن تكره بسبب النجاسة تحته .

الثاني : قارعة الطريق ، للنهي عنها معنيان . أحدهما : غلبة النجاسة ، والثاني : اشتغال القلب بسبب مرور الناس .

فإن قلنا بالمعنى الأول : جرى النهي في جواد الطرق في البراري ، وإن قلنا بالثاني : فلا ، وفي صحة الصلاة في [ ص: 278 ] الشوارع مع غلبة النجاسة القولان المتقدمان في باب الاجتهاد لتعارض الأصل والظاهر .

فإن صححناها فالنهي للتنزيه ، وإلا فللتحريم . فلو بسط شيئا طاهرا ، صحت الصلاة قطعا وتبقى الكراهة لشغل القلب .

والثالث : بطن الوادي ، والنهي عنه للخوف السالب للخشوع ، بسبب سيل يتوقع ، فإن لم يتوقع سيل فيحتمل أن يقال لا كراهة ، ويحتمل الكراهة لمطلق النهي .

قلت : اتبع الإمام الرافعي الغزالي وإمام الحرمين في إثبات النهي عن الصلاة في بطون الأودية مطلقا ، ولم يجئ في هذا نهي أصلا .

والحديث الذي جاء فيه ذكر المواطن السبعة ، ليس فيه الوادي ، بل فيه المقبرة بدلا منه ، ولم يصب من ذكر الوادي وحذف المقبرة .

والحديث من أصله ضعيف ، ضعفه الترمذي وغيره ، وإنما الصواب ما ذكره الشافعي رحمه الله ، فإنه يكره الصلاة في واد خاص ، وهو الذي نام ( فيه ) رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه عن الصبح حتى فاتت ، وقال : ( اخرجوا بنا من هذا الوادي ) وصلى خارجه . والله أعلم .

الرابع : الحمام . قيل : سبب النهي كثرة النجاسة والوسخ ، وقيل : لأنه مأوى الشيطان ، وفي المسلخ وجهان :

إن قلنا بالسبب الأول لم يكره ، وإلا كره وهو الأصح ، وتصح الصلاة بكل حال في المسلخ والحمام إذا حكم بطهارته .

الخامس : ظهر الكعبة وسبق تفصيله في باب الاستقبال .

السادس : أعطان الإبل ، وفسره الشافعي رحمه الله بالمواضع التي تنحى إليها الإبل الشاربة ليشرب غيرها .

فإذا اجتمعت سيقت فتكره الصلاة في أعطان الإبل ، ولا تكره في مراح الغنم ، وهو : مأواها ليلا ، وقد يتصور في الغنم مثل عطن الإبل .

وحكمه حكم مراحها ، وحكم مأوى الإبل ليلا حكم عطنها . لكن الكراهية في العطن أشد ، ومتى صلى في العطن أو المراح ونجس [ ص: 279 ] بالبول أو البعر أو غيرهما لم تصح صلاته ، وإلا صحت مع افتراقهما في الكراهة .

السابع : المقبرة ، وتكره الصلاة فيها بكل حال . ثم إن كانت غير منبوشة ، أو بسط عليها طاهرا صحت صلاته ، وإن علم أن موضع صلاته منبوش لم تصح .

وإن شك في نبشه ، صحت على الأظهر ، ويكره استقبال القبر في الصلاة .

القسم الثاني : النجاسة الواقعة في مظنة العفو ، وهو أضرب .

الأول : الأثر الباقي على محل الاستنجاء بعد الحجر ، يعفى عنه مع نجاسته . فلو لاقى ماء قليلا نجسه ، ولو حمله مصل بطلت صلاته على الأصح .

ويجري الوجهان فيما إذا حمل من على ثوبه نجاسة معفو عنها ، ويقرب منها الوجهان فيما لو عرق وتلوث بمحل النجو غيره .

لكن الأصح هنا العفو لعسر الاحتراز ، بخلاف حمل غيره ، ولو حمل حيوانا لا نجاسة عليه صحت صلاته ، وإن تنجس منفذه بالخارج فوجهان :

الأصح عند إمام الحرمين ، المقطوع به في ( التتمة ) : لا تصح صلاته ، والأصح عند الغزالي : صحتها .

قلت : الأول أصح ، والله أعلم .

ولو وقع هذا الحيوان في ماء قليل أو مائع آخر وخرج حيا ، لم ينجسه على الأصح ، للمشقة في صيانة الماء والمائع .

ولو حمل بيضة صار حشوها دما ، وظاهرها طاهر ، أو حمل عنقودا استحال باطن حباته خمرا ، ولا رشح على ظاهرها ، لم تصح صلاته على الأصح .

ويجري الوجهان في كل استتار خلقي ، ولو حمل قارورة مصممة الرأس برصاص أو نحوه ، وفيها نجاسة ، لم تصح صلاته على الصحيح .

ولو صممها بخرقة بطلت صلاته قطعا ، ولو صممها بشمع قيل : إنه كالرصاص ، وقيل : كالخرقة ، ولو حمل حيوانا مذبوحا بعد غسل الدم وغيره من موضع الذبح وغيره لم تصح قطعا .

[ ص: 280 ] الضرب الثاني : طين الشوارع . فتارة يعلم نجاسته ، وتارة يظنها ، وتارة لا قطعا يعلمها ولا يظنها . فالثالث : لا يضر .

والمظنون فيه القولان السابقان في باب الاجتهاد ، والنجس يعفى قليله دون كثيره .

والقليل : ما يتعذر الاحتراز منه ، والرجوع فيه إلى العادة ، ويختلف بالوقت وبموضعه في البدن .

وذكر الأئمة له تقريبا ، فقالوا : القليل ما لا ينسب صاحبه إلى سقطة أو كبوة أو قلة تحفظ . فإن نسب فكثيرة ، ولو أصاب أسفل الخف أو النعل نجاسة فدلكه بالأرض حتى ذهبت أجزاؤها ، ففي صحة صلاته فيه قولان :

الجديد الأظهر : لا يصح مطلقا ، والقديم : يصح بشروط . أحدها : أن يكون للنجاسة جرم يلتصق به . أما البول ونحوه فلا يكفي دلكه بحال ، والثاني : أن يدلكه في حال الجفاف ، وما دام رطبا لا يكفي الدلك قطعا ، والثالث : أن يكون حصول النجاسة بالمشي من غير تعمد . فلو تعمد تلطيخ الخف بها ، وجب الغسل قطعا .

والقولان جاريان فيما أصاب أسفل الخف وأطرافه من طين الشوارع - المتيقن النجاسة - الكثير الذي لا يعفى عنه وسائر النجاسة الغالبة في الطرق كالروث وغيره .

الضرب الثالث : دم البراغيث ، يعفى عن قليله في الثوب والبدن ، وفي كثيره وجهان :

أصحهما : العفو ، ويجري الوجهان في دم القمل والبعوض ، وما أشبه ذلك ، وفي ونيم الذباب وبول الخفاش .

ولو كان قليلا فعرق وانتشر اللطخ بسببه فعلى الوجهين .

وفي ضبط القليل والكثير خلاف . ففي قول قديم : القليل : قدر دينار ، وفي قديم آخر : ما دون الكف ، وعلى الجديد وجهان :

أحدهما : الكثير : ما يظهر للناظر من غير تأمل وإمعان طلب ، والقليل دونه ، وأصحهما الرجوع إلى العادة ، فما يقع التلطخ به غالبا ويعسر الاحتراز عنه فقليل .

فعلى الأول لا يختلف ذلك باختلاف الأوقات والبلاد ، وعلى الثاني وجهان :

أحدهما : يعتبر الوسط المعتدل ، ولا يعتبر من [ ص: 281 ] الأوقات والبلاد ، وعلى الثاني وجهان : أحدهما يعتبر الوسط المعتدل ، ولا يعتبر من الأوقات والبلاد ما يندر ذلك فيه أو يتفاحش ، وأصحهما : يختلف باختلاف الأوقات والبلاد ويجتهد المصلي هل هو قليل أم كثير ؟ .

الضرب الرابع : دم البثرات وقيحها وصديدها كدم البراغيث ، فيعفى عن قليله قطعا ، وعن كثيره على الأصح ، ولو عصر بثرة ، فخرج ما فيها ، عفي عنه على الأصح .

ولو أصابه دم غيره من آدمي أو بهيمة أو غيرهما ، فإن كان كثيرا فلا عفو ، وإن كان قليلا فقولان . وقيل : وجهان . أظهرهما : العفو ، ولو أصابه شيء من دم نفسه ، لا من البثرات ، بل من الدماميل والقروح وموضع الفصد والحجامة فوجهان : أحدهما وهو مقتضى كلام الأكثرين : أنه كدم البثرات ، والثاني : وهو الأولى ، واختاره القاضي ابن كج ، والشيخ أبو محمد وإمام الحرمين : أنه لا يلتحق بدم البثرات . بل إن كان مما يدوم مثلها غالبا ، فهي كدم الاستحاضة ، وسبق حكمه في باب الحيض .

وإن كان مما لا يدوم غالبا ، فهو كدم الأجنبي ، لا يعفى عن كثيره وفي قليله الخلاف .

قلت الأصح أنه كدم البثرات . والله أعلم .

وحكم القيح والصديد حكم الدم في جميع ما ذكرناه .

وأما القروح والنفاطات فإن كان له رائحة كريهة ، فهو نجس ، وإلا فطريقان .

أحدهما : القطع بالطهارة ، والثاني : على قولين .

قلت : المذهب طهارته . والله أعلم .

[ ص: 282 ] الضرب الخامس : إذا صلى وعلى ثوبه أو بدنه أو موضع صلاته نجاسة غير معفو عنها ، وهو لا يدري ، فإن لم يكن علمها وجبت الإعادة على الأظهر .

وإن علمها ثم نسيها وجبت قطعا ، وقيل : على القولين ، وإذا أوجبنا الإعادة ، وجبت إعادة كل صلاة تيقن أنه صلاها مع النجاسة ، وإذا احتمل أنها حدثت بعدما صلى فلا شيء عليه .

الضرب السادس : في أنواع متفرقة ، منها النجاسة التي تستصحبها المستحاضة ، وسلس البول ، ومنها إذا كان على جرحه دم كثير يخاف من إزالته .

ومنها ، إذا تلطخ سلاحه بالدم في صلاة شدة الخوف .

ومنها : الشعر الذي ينتف ولا يخلو عنه ثوبه وبدنه ، وحكمه حكم دم البراغيث .

ومنها : القدر الذي لا يدركه الطرف من البول والخمر وغير الدم ، وفيه خلاف تقدم في أول ( كتاب الطهارة ) .

قلت : إذا كان على جرحه دم كثير زائد على ما يعفى عنه ، وخاف من غسله صلى به وجبت الإعادة على الجديد الأظهر . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث