الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

فصل

الشرط السادس السكوت عن الكلام للمتكلم في الصلاة ، حالان :

أحدهما : بغير عذر - فينظر - إن نطق بحرف واحد ، لم تبطل صلاته . إلا إذا كان مفهما ، كقوله : ( ق ) ( ش ) فإنه تبطل ، وإن نطق بحرفين بطلت ؛ [ ص: 290 ] أفهم أم لا ؛ لأن الكلام مفهم وغيره ، ولو نطق بحرف ومده بعده فالأصح : البطلان .

والثاني : لا ، والثالث : قاله إمام الحرمين : إن أتبعه بصوت غفل لا يقع على صورة المد لم تبطل .

وإن أتبعه بحقيقة المد بطلت ، وفي التنحنح أوجه :

أصحها وبه قطع الجمهور : إن بان منه حرفان بطلت صلاته ، وإلا فلا .

والثاني ، لا تبطل وإن بان حرفان ، وحكي هذا عن نص الشافعي رحمه الله .

والثالث : إن كان فمه مطبقا لم تبطل ، وإن فتحه وبان حرفان بطلت ، وإلا فلا .

وحيث أبطلنا ، فذلك إذا كان بغير عذر . فإن كان مغلوبا ، فلا بأس ، ولو تعذرت القراءة إلا بالتنحنح تنحنح ، وهو معذور .

وإن أمكنت القراءة وتعذر الجهر إلا بالتنحنح ، فليس بعذر على الأصح .

ولو تنحنح الإمام وظهر منه حرفان ، فهل للمأموم أن يدوم على متابعته ؟ وجهان :

أصحهما : نعم . لأن الأصل بقاء العبادة ، والظاهر أنه معذور .

وأما الضحك والبكاء والنفخ والأنين ، فإن بان منه حرفان بطلت وإلا فلا ، وسواء بكى للدنيا أو للآخرة .

الحال الثاني : في الكلام بعذر فمن سبق لسانه إلى الكلام من غير قصد ، أو غلبه الضحك أو السعال ، فبان منه حرفان أو تكلم ناسيا أو جاهلا بتحريم الكلام ، فإن كان ذلك يسيرا لم تبطل صلاته ، وإن كثرت بطلت على الأصح ، والرجوع في القلة والكثرة إلى العرف والجهل بتحريم الكلام .

إنما هو عذر في حق قريب العهد بالإسلام . فإن طال عهده به بطلت صلاته لتقصيره في التعلم ، ولو علم تحريم الكلام ولم يعلم أنه يبطل الصلاة لم يكن عذرا .

ولو جهل كون التنحنح مبطلا فهو معذور على الأصح ؛ لخفاء حكمه على العوام ، ولو علم أن جنس الكلام محرم ، ولم يعلم أن ما أتى به محرم فهو معذور على الأصح ، ولو أكره على الكلام فقولان :

أظهرهما : تبطل لندوره ، وكما لو [ ص: 291 ] أكره أن يصلي بلا وضوء أو قاعدا فإنه تجب الإعادة قطعا . ولو تكلم لمصلحة الصلاة ، بأن قام الإمام في موضع القعود ، فقال المأموم : اقعد بطلت صلاته وليس هو بعذر ، فإن طريقه التسبيح ، ولو أشرف إنسان على الهلاك ، فأراد إنذاره وتنبيهه ، ولم يحصل ذلك إلا بالكلام وجب الكلام وتبطل صلاته على الأصح . ولو خاطب النبي صلى الله عليه وسلم في عصره مصليا لزمه الجواب بالنطق في الحال ولا تبطل صلاته . ولو قال : " آه " من خوف النار بطلت صلاته على الصحيح .

فرع

متى ناب الرجل المصلي شيء في صلاته ، بأن رأى أعمى يقع في بئر ، أو استأذنه إنسان في الدخول ، أو أراد إعلام غيره أمرا ، فالسنة أن يسبح ، والمرأة تصفق في جميع ذلك . والتصفيق : أن تضرب بطن كفها اليمنى ، على ظهر كفها اليسرى . وقيل : تضرب أكثر أصابعها اليمنى على ظهر أصابعها اليسرى . وقيل : تضرب أصبعين على ظهر الكف . والمعاني متقاربة . والأول أشهر . وينبغي أن لا تضرب بطن كف على بطن كف . فإن فعلت ذلك على وجه اللعب بطلت صلاتها لمنافاته .

فرع

الكلام المبطل عند عدم العذر هو ما سوى القرآن والذكر والدعاء وما في معناها . فلو أتى بشيء من نظم القرآن قاصدا القراءة ، أو القراءة مع شيء آخر ، كتنبيه الإمام أو غيره ، أو الفتح على من أرتج عليه ، أو تفهيم أمر [ ص: 292 ] كقوله لجماعة يستأذنون في الدخول : ( ادخلوها بسلام آمنين ) الحجر : 46 . أو يقول : ( يا يحيى خذ الكتاب بقوة ) مريم : 12 . وما أشبه ذلك لم تبطل صلاته ، سواء كان قد انتهى في قراءته إلى تلك الآية ، أو أنشأ قراءتها حينئذ . ولنا وجه شاذ : أنه إذا قصد مع القراءة شيئا آخر بطلت صلاته وليس بشيء . ولو قصد الإفهام والإعلام فقط بطلت صلاته بلا خلاف . ولو أتى بكلمات لا يوجد في القرآن على نظمها ، وتوجد مفرداتها ، كقوله : ( يا إبراهيم ) ( سلام ) ( كن ) بطلت صلاته ولم يكن لها حكم القرآن بحال . وأما الأذكار والتسبيحات والأدعية بالعربية فلا يضر ، سواء المسنون وغيره . لكن ما فيه خطاب مخلوق غير رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب اجتنابه . فلو سلم على إنسان أو رد عليه السلام بلفظ الخطاب بطلت صلاته . ويرد السلام بالإشارة بيده أو رأسه ولو قال : عليه السلام ، لم يضر . ولو قال للعاطس : يرحمه الله لم يضر . ولو قال : يرحمك الله بطلت على المشهور .

فرع

السكوت اليسير في الصلاة لا يضر بحال ، وكذا الكثير عمدا ، إن كان لعذر بأن نسي شيئا فسكت ليتذكره على المذهب . وكذا إن سكت لغير عذر على الأصح . وإن سكت كثيرا ناسيا ، وقلنا : عمده مبطل ، فطريقان . أحدهما : القطع بأنه لا يضر . والثاني : على الوجهين . واعلم أن إشارة الأخرس المفهمة ، كالنطق في البيع وغيره من العقود ، ولا تبطل بها الصلاة على الصحيح .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث