الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وأول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله وزاد أدنى زيادة وآخره إذا صار ظل كل شيء مثليه ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { وصلى بي جبريل العصر حين صار ظل كل شيء مثل ظله ثم صلى بي المرة الأخيرة حين صار ظل كل شيء مثليه } ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الجواز والأداء إلى غروب الشمس . [ ص: 30 ] وقال أبو سعيد الإصطخري إذا صار ظل كل شيء مثليه فأتت الصلاة ويكون ما بعده وقت القضاء ، والمذهب الأول لما روى أبو قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { ليس التفريط في النوم ، إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى } )

التالي السابق


( الشرح ) حديث ابن عباس صحيح سبق بيانه ، وحديث أبي قتادة صحيح أيضا رواه أبو داود بهذا اللفظ بإسناد صحيح على شرط مسلم ، وروى مسلم في صحيحه بمعناه قال : { ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى } واليقظة بفتح الياء والقاف ، وأبو قتادة اسمه الحارث بن ربعي وقيل النعمان بن ربعي ، وقيل عمرو بن ربعي والصحيح الأول ، وهو أنصاري سلمي بفتح السين واللام مدني ، يقال له : فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد أحدا والخندق وما بعدهما من المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلف في شهوده بدرا . توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين وهو ابن سبعين سنة رضي الله عنه .

( أما حكم المسألة ) فمذهبنا أنه يدخل وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله غير الظل الذي يكون له عند الزوال ، وهو إذا انقضى وقت الظهر ولا اشتراك بينهما ولا فاصل بينهما هذا مذهبنا وسبق بيان مذاهب العلماء في ذلك . وأما قول المصنف " وزاد أدنى زيادة " فكذا نص عليه الشافعي في مختصر المزني ، وكذا ذكره الشيخ أبو حامد والماوردي والقاضي أبو الطيب والمحاملي وجماهير العراقيين والمتولي وآخرون من الخراسانيين . وقال صاحب الذخائر : اختلف أصحابنا في هذه الزيادة على ثلاثة أوجه ( أحدها ) أنها لبيان انتهاء الظل إلى المثل وإلا فالوقت قد دخل قبل حصول الزيادة بمجرد حصول المثل ، فعلى هذا تكون الزيادة من وقت العصر ( والثاني ) أنها من وقت الظهر وإنما تدخل العصر عقبها ، قال : وهذا ظاهر كلام الشافعي والعراقيين ، وعليه كثير من الأصحاب ، ( والثالث ) أنها ليست من وقت الظهر ولا من وقت العصر بل هي فاصل بين الوقت فهذا ما حكاه [ ص: 31 ] في الذخائر وهذا الثالث ليس بشيء لقوله صلى الله عليه وسلم " وقت العصر ما لم تحضر العصر فدل على أنه لا فاصل بينهما والأصح أنها من وقت العصر " وبه قطع القاضي حسين وآخرون ونقل الرافعي الاتفاق عليه .



وأما آخر وقت العصر فهو غروب الشمس ، هذا هو الصحيح الذي نص عليه الشافعي وقطع به جمهور الأصحاب ، وقال أبو سعيد الإصطخري آخره إذا صار ظل الشيء مثليه ، فإن أخر عن ذلك أثم وكانت قضاء ، قال الشيخ أبو حامد هذا الذي قاله الإصطخري لم يخرجه على أصل الشافعي ; لأن الشافعي نص في القديم والجديد أن وقتها يمتد حتى تغرب الشمس ، إنما هو اختيار لنفسه وهو خلاف نص الشافعي والأصحاب ، واستدل بحديث جبريل ، ودليل المذهب حديث أبي قتادة السابق وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر } رواه البخاري ومسلم وحديث أبي موسى الذي ذكرته في أول الباب عن صحيح مسلم { أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول : قد احمرت الشمس } ، وأما حديث جبريل فإنما ذكر في وقت الاختيار لا وقت الجواز . بدليل الأحاديث الصحيحة التي ذكرتها . وهذا التأويل متعين للجمع بين الأحاديث ، ولأن هذه الأحاديث متأخرة عن حديث جبريل ، فيكون العمل عليها ، ولأنها أصح منه بلا خلاف بين أهل الحديث ، وإن كان هو أيضا صحيحا ، ولأن الحائض وغيرها من أهل الأعذار إذا زال عذرهم قبل غروب الشمس بركعة لزمتهم العصر بلا خلاف ، ولو كان الوقت قد خرج لم يلزم وهذا الإلزام حسن ذكره إمام الحرمين وغيره . وقد قال الغزالي في درسه : إن الإصطخري يحمل حديث من أدرك ركعة من العصر على أصحاب الأعذار .



( فرع ) قال القاضي حسين والصيدلاني وإمام الحرمين والروياني وغيرهم : للعصر خمسة أوقات : وقت فضيلة ، ووقت اختيار ، ووقت جواز بلا كراهة ، ووقت جواز وكراهة ، ووقت عذر . فالفضيلة من أول الوقت إلى أن يصير ظل الشخص مثله ونصف مثله ، ووقت الاختيار إلى أن يصير [ ص: 32 ] مثلين ، والجواز بلا كراهة إلى اصفرار الشمس ، والجواز مع الكراهة حال الاصفرار حتى تغرب ، والعذر وقت الظهر لمن جمع بسفر أو مطر . وقد نقل أبو عيسى الترمذي عن الشافعي وغيره من العلماء كراهة تأخير العصر ، ودليل الكراهة حديث أنس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { : تلك صلاة المنافقين ، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا } فرواه مسلم والله أعلم .

( فرع ) قد ذكرنا أن مذهبنا أن وقت الاختيار للعصر يمتد إلى مصير ظل كل شيء مثليه . وبه قال جماهير العلماء . وقال أبو حنيفة يمتد إلى اصفرار الشمس .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث