الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

اللغة العربية لغة الإسلام :

ومما يدخل في بحث اتباعه صلوات الله وسلامه عليه تعلم لغته التي هي لغة الكتاب الإلهي الذي أوحاه الله تعالى إليه ، وأمر جميع من اتبعه ودان بدينه أن يتعبده به ، وأن يتلوه في الصلاة وغير الصلاة مع التدبر والتأمل في معانيه ، وذلك يتوقف على إتقان لغته وهي العربية ، فالمسلمون يبلغون الدعوة لكل قوم بلغتهم ، حتى إذا ما هدى الله من شاء منهم ، ودخل في الإسلام علموه أحكامه ولغته ، وكذلك كان يفعل الخلفاء الفاتحون في خير القرون وما بعدها ، إلى أن تغلبت الأعاجم على العرب ، وسلبوهم الملك فوقفت الدعوة إلى الإسلام ، وضعف العلم بالعربية إلى أن قضى عليها الترك وحرمتها حكومتهم عليهم في هذا الزمان ، لتقطع كل صلة لهم بدين القرآن ، وقد فصلنا هذه المباحث في مجلة المنار تفصيلا .

ومما نشرناه في هذا الموضوع مقال في لغة الإسلام نشرناه أولا في بعض الجرائد اليومية ، وفيه تصريح للإمام الشافعي ـ رضي الله عنه ـ بوجوب تعلم اللغة العربية على جميع المسلمين في رسالته في أصول الفقه ، ذلك بأنه يبين أن القرآن كله نزل بلسان العرب ليس فيه شيء إلا بلسانهم ثم قال ما نصه : " فإن قال قائل : ما الحجة في أن كتاب الله محض بلسان العرب لا يخلطه فيه غيره ؟ فالحجة فيه كتاب الله ، قال تبارك وتعالى : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ( 14 : 4 ) .

" فإن قال قائل : فإن الرسل قبل محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانوا يرسلون إلى قومهم خاصة ، وأن محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعث إلى الناس كافة ؟ ( قيل ) : فقد يحتمل أن يكون بعث بلسان قومه خاصة ، ويكون على الناس كافة أن يتعلموا لسانه ، أو ما يطيقونه منه .

[ ص: 265 ] ويحتمل أن يكون بعث بألسنتهم ؟ فإن قال قائل : فهل من دليل على أنه بعث بلسان قومه خاصة دون ألسنة العجم ؟ ؟ .

قال الشافعي رحمه الله تعالى : فالدلالة على ذلك بينة من كتاب الله عز وجل في غير موضع ، فإذا كانت الألسنة مختلفة بما لا يفهمه بعضهم عن بعض فلا بد أن يكون بعضهم تبعا لبعض ، أن يكون الفضل في اللسان المتبع على التابع ، وأولى الناس بالفضل في اللسان من لسانه لسان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا يجوز - والله تعالى أعلم - أن يكون أهل لسانه أتباعا لأهل لسان غير لسانه في حرف واحد ، بل كل لسان تبع للسانه وكل أهل دين قبله فعليهم اتباع دينه ، وقد بين الله تعالى ذلك في غير آية من كتابه . قال الله عز ذكره : وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ( 26 : 192 - 195 ) وقال : وكذلك أنزلنا حكما عربيا ( 13 : 37 ) وقال : وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها ( 42 : 7 ) وقال تعالى : حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ( 43 : 1 - 3 ) .

قال الشافعي رحمه الله تعالى : فأقام حجته بأن كتابه عربي في كل آية ذكرناها ، ثم أكد ذلك بأن نفى جل وعز عنه كل لسان غير لسان العرب في آيتين من كتابه فقال تبارك وتعالى ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ( 16 : 103 ) وقال : ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي ( 41 : 44 ) .

قال الشافعي رحمه الله تعالى : وعرفنا قدر نعمه بما خصنا به من مكانة فقال تعالى : لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه . . . ( 9 : 128 ) الآية ، وقال : هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ( 62 : 2 ) الآية وكان مما عرف الله تعالى نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من إنعامه أن قال : وإنه لذكر لك ولقومك ( 43 : 44 ) فخص قومه بالذكر معه بكتابه وقال : وأنذر عشيرتك الأقربين ( 26 : 214 ) وقال : لتنذر أم القرى ومن حولها ( 42 : 7 ) وأم القرى مكة وهي بلده وبلد قومه ، فجعلهم في كتابه خاصة ، وأدخلهم مع المنذرين عامة ، وقضى أن ينذروا بلسانهم العربي لسان قومه منهم خاصة .

" فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده حتى يشهد به أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، ويتلو به كتاب الله تعالى ، وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير ، وأمر به من التسبيح والتشهد وغير ذلك ، وما ازداد من العلم باللسان الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته ، وأنزل به آخر كتبه ، كان خيرا له ، كما [ ص: 266 ] عليه أن يتعلم الصلاة والذكر فيها ، ويأتي البيت وما أمر بإتيانه ويتوجه لما وجه له ، ويكون تبعا فيما افترض عليه وندب إليه لا متبوعا .

" قال الشافعي رحمه الله : وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيرهم ; لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب وكثرة وجوهه ، وجماع معانيه وتفرقها . ومن علمها انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها ، فكان تنبيه العامة على أن القرآن نزل بلسان العرب خاصة نصيحة للمسلمين ، والنصيحة لهم فرض لا ينبغي تركه ، أو إدراك نافلة خير لا يدعها إلا من سفه نفسه ، وترك موضع حظه ، فكان يجمع مع النصيحة لهم قياما بإيضاح حق ، وكان القيام بالحق ونصيحة المسلمين طاعة لله ، وطاعة الله جامعة للخير " اهـ . ثم ذيلنا هذا النقل بما نذكر هنا ملخصه ببعض تصرف ، وهو ما قاله الإمام الشافعي في رسالة الأصول الشهيرة المطبوعة بمصر بنصها ، ولا تحسبن أن هذا مذهب له خالفه فيه غيره من أئمة المسلمين ، كلا إنه إجماع لا اختلاف فيه ، وقد اشتهرت رسالته هذه في جميع أقطار الإسلام إذ كانت هي أول ما كتب في أصول الفقه ، وقد خالفه بعض المجتهدين في بعض مسائل الأصول دون هذه المسألة فلم يخالفه ولم يناقشه أحد فيها ، ولا فيما أورده من الأدلة عليها ، وأوضح الأدلة على هذا إجماع المسلمين سلفا وخلفا على التعبد بتلاوة القرآن العربي وأذكار الصلاة والحج وغيرهما بالعربية ، ولم يشذ عن هذا سني ولا شيعي ولا إباضي ولا خارجي ولا معتزلي .

نعم إن المسلمين قد قصروا في دراسة هذه اللغة بعد ضعف الخلافة الإسلامية وتغلب الأعاجم ، فعطلوا بذلك بعض ما أمرهم الله تعالى به من تدبر القرآن والعبرة والاتعاظ بآياته وفهم عقائده وفقه أحكامه ، ولكن روي قول شاذ عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى بجواز أداء بعض أذكار الصلاة والتلاوة فيها بغير العربية لمن تعذر عليه تعلم ما يجب منهما أي من الأفراد لضعف في نطقه وفهمه ، وقد صح عنه أيضا أنه رجع عن هذا القول ، على أنه مقيد بالضرورة الشخصية ، ولم يقل هو ولا غيره بإطلاق ذلك ، وأنه يسع أي شعب أعجمي أن يستغني في دينه عن لغة كتابه وسنته ، والدليل على هذا أن جميع مقلديه من الأعاجم لا يزالون يقرؤون القرآن وأذكار الصلاة والحج وغيرها بالعربية ، وكذلك خطبة صلاة الجمعة والعيدين إلا ما شذت به الحكومة الكمالية التركية فأمرت الخطباء بأن يخطبوا بالتركية تمهيدا للصلاة بها لخلع ربقة الإسلام ، وقد بلغنا أن جماعة المصلين من الترك لما سمعوا خطبة الجمعة بالتركية نكروها ، ونفروا منها واتخذوا خطباءها سخريا ; لأن للعربية سلطانا على أرواحهم يخشعون لها ، وإن لم يفهموا كل عباراتها ; ولأنهم اعتادوا أن يسمعوها بنغم خاص وأداء خاص لا تقبله اللغة التركية كالعربية .

[ ص: 267 ] وليست عبادات الإسلام وحدها هي التي تتوقف على العربية ، بل معرفة أحكام المعاملات تتوقف عليها أيضا فإن أحكام الشريعة بجميع أنواعها حتى المدنية والسياسية متوقفة على الاجتهاد المعبر عنه في عرف هذا العصر بالتشريع ، وقد أجمع علماء الأصول من جميع المذاهب الإسلامية على توقف الاجتهاد في الشرع ، واستنباط الأحكام على معرفة اللغة العربية معرفة تمكن صاحبها من فهم أحكام القرآن والسنة ، وقد وضحنا هذه المسألة ، وبينا وجه الحاجة إليها في هذا العصر في كتاب ( الخلافة - أو الإمامة العظمى ) فتراجع فيه .

وجملة القول : أن إقامة دين الإسلام متوقفة على لغة كتابة المنزل ، وسنة نبيه المرسل سواء في ذلك هدايته الروحية ، ورابطته الاجتماعية ، وحكومته العادلة المدنية ، وأن المسلمين لم يكونوا في عصر من العصور أحوج إلى الوحدة المفروضة عليهم المتوقفة على هذه اللغة منهم في هذا العصر الذي تمزقوا فيه كل ممزق فأصبحوا أكلة لمنهومي الاستعمار ومستعبدي الأمم والشعوب وصدق فيهم قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها الحديث .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث