الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 361 ] ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون بين الله تعالى لنا في الآية السابقة حال المخلوقين لجهنم في عدم استعمال عقولهم ومشاعرهم في الاعتبار بآيات الله ، والتفقه في تزكية أنفسهم بالعلم الصحيح الذي يترتب عليه العمل الصالح ، وأن ذلك الإهمال أعقبهم الغفلة التامة عن أنفسهم ، وما فيه صلاحها من ذكر الله تعالى وشكره والثناء عليه بما هو أهله من صفات الكمال - وقفى على ذلك في هذه الآية بدواء هذه الغفلة ، وأقرب الوسائل للمخرج منها إلى ضدها فقال :

ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها الأسماء جمع اسم ، وهو اللفظ الدال على الذات فقط ، أو على الذات مع صفة من صفاتها ، سواء كان مشتقا ، كالرحمن الرحيم الخالق الرازق ، أو مصدرا ، كالرب والسلام والعدل . والحسنى جمع أحسن ، والمعنى : ولله دون غيره جميع الأسماء الدالة على أحسن المعاني وأكمل الصفات ، فادعوه أي سموه واذكروه ونادوه بها ، لمجرد الثناء ، وعند السؤال وطلب الحاجات ، فمن الذكر لمحض الثناء آية الكرسي : الله لا إله إلا هو الحي القيوم ( 2 : 255 ) إلخ . وآخر سورة الحشر : هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ( 59 : 22 - 24 ) وقد ورد في السنة الدعاء بهذه الآيات ، وأن يقول قبلها " أعوذ بالله السميع العليم ، من الشيطان الرجيم - ثلاث مرات " رواه الترمذي والدارمي وابن السني من حديث معقل بن يسار .

وللذكر المحض فوائد كثيرة في تغذية الإيمان ، ومراقبة الله تعالى وحبه والخشوع له ، والرغبة فيما عنده ، واحتقار مصائب الدنيا ، وقلة المبالاة والتألم لما يفوت المؤمن من نعيمها ، ولذلك ورد في الحديث الصحيح : من نزل به غم أو كرب أو أمر مهم فليقل : لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش الكريم رواه الشيخان والترمذي والنسائي .

ومن الذكر بصيغة النداء ما رواه الترمذي أنه - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلا وهو يقول [ ص: 362 ] " يا ذا الجلال والإكرام فقال : قد استجيب لك فسل " وروى الحاكم في المستدرك من حديث أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة : ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به ؟ أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت : يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث ، أصلح شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، وأقره الحافظ الذهبي على ذلك .

والأدعية بأسماء الله تعالى نداء أو غير نداء كثيرة ، تراجع في كتاب الأذكار للنووي ، وكتاب الحصن الحصين لابن الجزري وغيرهما من كتب السنة .

وأسماء الله كثيرة ، وكلها حسنى بدلالة كل منها على منتهى كمال معناه ، وتفضيلها على ما يطلق منها على المخلوقين ، كالرحيم والحكيم والحفيظ والعليم .

وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرها قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن لله تسعة وتسعين اسما ، مائة إلا واحدا ، من أحصاها دخل الجنة هذا لفظ البخاري في كتاب الشروط وكتاب التوحيد ومسلم في الذكر . قال مسلم : وزاد همام عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : إنه وتر يحب الوتر وفي الرواية الأخرى له : إن لله تسعة وتسعين اسما ، من حفظها دخل الجنة ، وإن الله وتر يحب الوتر ( قال ) : وفي رواية ابن أبي عمر " من أحصاها " اهـ . ورواه البخاري في كتاب الدعوات بلفظ : لله تعالى تسعة وتسعون اسما مائة إلا واحدة من حفظها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر وقوله : " إلا واحدة " بالتأنيث وجهه ابن مالك; لأنه باعتبار التسمية أو الصفة أو الكلمة .

ورواه الترمذي والحاكم من طريق الوليد بن مسلم وسردا فيه الأسماء التسعة والتسعين ، ورواه غيرهما أيضا من طريقه ، وفي سرد الأسماء اختلاف في الروايات ، وقد اختلف المحدثون في سرد الأسماء ، هل هو مرفوع أو مدرج في الحديث من بعض الرواة ؟ والراجح أنه مدرج لا مرفوع ، ولم يخرجه الشيخان; لتفرد الوليد به ، والاختلاف عليه فيه ، وتدليسه واحتمال الإدراج كما قال الحافظ في الفتح ، وروي من طريق أخرى أضعف من هذه ، وهذا سرد الأسماء في أمثل الطرق عن الوليد من جامع الترمذي كما قال الحافظ :

" هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام ، المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ، الخالق البارئ المصور الغفار القهار ، الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط ، الخافض الرافع ، المعز المذل ، السميع البصير ، الحكم العدل ، اللطيف الخبير ، الحليم العظيم ، الغفور الشكور ، العلي الكبير ، الحفيظ المقيت ، الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب ، الواسع الحكيم ، الودود المجيد ، الباعث الشهيد ، الحق الوكيل القوي المتين ، الولي الحميد ، المحصي المبدئ المعيد ، المحيي المميت ، الحي القيوم ، الواجد [ ص: 363 ] الماجد ، الواحد الصمد ، القادر المقتدر ، المقدم المؤخر ، الأول الآخر ، الظاهر الباطن الوالي المتعالي ، البر التواب ، المنتقم العفو الرؤوف ، مالك الملك ، ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع ، الغني المغني المانع ، الضار النافع ، النور الهادي ، البديع الباقي الوارث ، الرشيد الصبور " .

أورد هذه الأسماء الحافظ ابن حجر في الفتح ، وذكر اختلاف الروايات فيها وإنكار بعض كبار العلماء لرفعها ، كابن حزم والداودي والقاضي أبي بكر بن العربي - والأقوال في حصرها ومأخذها ثم قال : .

" وإذا تقرر رجحان أن سرد الأسماء ليس مرفوعا ، فقد اعتنى جماعة بتتبعها من القرآن من غير تقييد بعدد ، فروينا في كتاب المائتين لأبي عثمان الصابوني بسنده إلى محمد بن يحيى الذهلي أنه استخرج الأسماء من القرآن ، وكذا أخرج أبو نعيم عن الطبراني عن أحمد بن عمر ، والخلال عن ابن أبي عمر ، وحدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قال : سألت جعفر بن محمد الصادق عن الأسماء الحسنى فقال : هي في القرآن ، وروينا في فوائد تمام من طريق أبي الطاهر بن السرج عن حبان بن نافع عن سفيان بن عيينة الحديث ، يعني حديث " إن لله تسعة وتسعين اسما قال : فوعدنا سفيان أن يخرجها لنا من القرآن فأبطأ ، فأتينا أبا زيد فأخرجها لنا ، فعرضناها على سفيان فنظر فيها أربع مرات وقال : نعم هي هذه .

" وهذا سياق ما ذكره جعفر وأبو زيد قالا : ففي الفاتحة خمسة : الله ، رب ، الرحمن الرحيم ، مالك ، وفي البقرة : محيط ، قدير ، عليم ، حكيم ، علي ، عظيم ، تواب ، بصير ، ولي ، واسع ، كاف ، رؤوف ، بديع ، شاكر ، واحد ، سميع ، قابض ، باسط ، حي ، قيوم ، غني ، حميد ، غفور ، حليم ، وزاد جعفر : إله قريب مجيب ، عزيز نصير ، قوي شديد ، سريع خبير ، قال وفي آل عمران ، وهاب ، قائم . زاد جعفر الصادق : باعث منعم متفضل ، وفي النساء : رقيب حسيب شهيد مقيت وكيل . زاد جعفر : علي كبير . وزاد سفيان : عفو ، وفي الأنعام : فاطر قاهر . زاد جعفر : مميت غفور برهان . وزاد سفيان : لطيف خبير قادر ، وفي الأعراف : محي مميت ، وفي الأنفال : نعم المولى ونعم النصير ، وفي هود : حفيظ مجيد ، ودود ، فعال لما يريد ، زاد سفيان : قريب مجيب ، وفي الرعد : كبير متعال ، وفي إبراهيم : منان . زاد جعفر : صادق وارث ، وفي الحجر : خلاق ، وفي مريم : صادق وارث . زاد جعفر : فرد ، وفي طه عند جعفر وحده : غفار ، وفي المؤمنين : كريم ، وفي النور : حق مبين . زاد سفيان : نور ، وفي الفرقان : هاد ، وفي سبأ : فتاح ، وفي الزمر : عالم ، عند جعفر وحده ، وفي المؤمن [ ص: 364 ] غافر قابل ذو الطول . زاد سفيان : شديد ، وزاد جعفر : رفيع ، وفي الذاريات : رزاق ذو القوة المتين ، بالتاء ، وفي الطور : بر ، وفي اقتربت : مقتدر . زاد جعفر : مليك ، وفي الرحمن : ذو الجلال والإكرام ، زاد جعفر : رب المشرقين ورب المغربين ، باق معين ، وفي الحديد : أول آخر ظاهر باطن ، وفي الحشر : قدوس سلام مؤمن مهيمن عزيز جبار متكبر خالق بارئ مصور ، زاد جعفر : ملك ، وفي البروج : مبدئ معيد ، وفي الفجر : وتر عند جعفر وحده ، وفي الإخلاص : أحد صمد . هذا آخر ما رويناه عن جعفر وأبي زيد وتقرير سفيان من تتبع الأسماء من القرآن ، وفيها اختلاف شديد وتكرار وعدة أسماء لم ترد بلفظ الاسم ، وهي : صادق ، منعم ، متفضل ، منان ، مبدئ ، معيد ، باعث ، قابض ، برهان ، معين ، مميت ، باق .

" ووقفت في كتاب المقصد الأسنى لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم الزاهد أنه تتبع الأسماء من القرآن فتأملته فوجدته كرر أسماء ، وذكر مما لم أره فيه بصيغة الاسم : الصادق والكاشف والعلام ، وذكر من المضاف : الفالق من قوله : فالق الحب والنوى ( 6 : 95 ) وكان يلزمه أن يذكر " القابل " من قوله : قابل التوب ( 40 : 3 ) .

" وقد تتبعت ما بقي من الأسماء مما ورد في القرآن بصيغة الاسم مما لم يذكر في رواية الترمذي ، وهي : الرب الإله المحيط ، القدير الكافي ، الشاكر الشديد ، القائم الحاكم ، الفاطر الغافر القاهر ، المولى النصير ، الغالب الخالق ، الرفيع ، المليك ، الكفيل ، الخلاق ، الأكرم ، الأعلى ، المبين - بالموحدة - الحفي - بالحاء المهملة والفاء - القريب ، الأحد ، الحافظ . فهذه سبعة وعشرون اسما إذا انضمت إلى الأسماء التي وقعت في رواية الترمذي مما وقعت في القرآن بصيغة الاسم تكمل بها التسعة والتسعون ، وكلها في القرآن لكن بعضها بإضافة كالشديد من شديد العقاب ( 2 : 196 ) والرفيع من رفيع الدرجات ( 40 : 15 ) والقائم من قوله : قائم على كل نفس بما كسبت ( 13 : 33 ) والفاطر من فاطر السماوات ( 35 : 1 ) والقاهر من وهو القاهر فوق عباده ( 6 : 18 ) والمولى والنصير من نعم المولى ونعم النصير ( 8 : 40 ) والعالم من عالم الغيب ( 6 : 73 ) والخالق من قوله : خالق كل شيء ( 13 : 16 ) والغافر من غافر الذنب ( 40 : 3 ) والغالب من والله غالب على أمره ( 12 : 21 ) والحافظ من قوله : فالله خير حافظا ( 12 : 64 ) ومن قوله : وإنا له لحافظون ( 12 : 12 ) وقد وقع نحو ذلك من الأسماء التي في رواية الترمذي وهي المحيي من قوله : لمحيي الموتى ( 41 : 39 ) والمالك من قوله : مالك الملك ( 3 : 26 ) والنور من قوله : نور السماوات والأرض ( 24 : 35 ) والبديع من قوله : بديع السماوات والأرض ( 2 : 117 ) والجامع من قوله : جامع الناس ( 3 : 9 ) والحكم من قوله : أفغير الله أبتغي حكما ( 6 : 114 ) [ ص: 365 ] والوارث من قوله : ونحن الوارثون ( 15 : 23 ) والأسماء التي تقابل هذه مما وقع في رواية الترمذي مما لم يقع في القرآن بصيغة الاسم ، وهي سبعة وعشرون اسما : القابض الباسط ، الخافض الرافع ، المعز المذل ، العدل الجليل ، الباعث المحصي ، المبدئ المعيد المميت ، الواجد الماجد ، المقدم المؤخر ، الوالي ذو الجلال والإكرام ، المقسط المغني ، المانع الضار ، النافع الباقي ، الرشيد الصبور .

" فإذا اقتصر من رواية الترمذي على ما عدا هذه الأسماء ، وأبدلت بالسبعة والعشرين التي ذكرتها ، خرج من ذلك تسعة وتسعون اسما ، وكلها في القرآن واردة بصيغة الاسم ، ومواضعها كلها ظاهرة من القرآن إلا قوله " الحفي " فإنه في سورة مريم في قول إبراهيم : سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا ( 19 : 47 ) وقل من نبه على ذلك .

" ولا يبقى بعد ذلك إلا النظر في الأسماء المشتقة من صفة واحدة مثل : القدير والمقتدر والقادر ، والغفور والغفار والغافر ، والعلي والأعلى والمتعال ، والملك والمليك والمالك ، والكريم والأكرم ، والقاهر والقهار ، والخالق والخلاق ، والشاكر والشكور ، والعالم والعليم : فإما أن يقال : لا يمنع ذلك من عدها ; فإن فيها التغاير في الجملة ، فإن بعضها يزيد بخصوصية على الآخر ليست فيه ، وقد وقع الاتفاق على أن الرحمن الرحيم اسمان مع كونهما مشتقين من صفة واحدة ، ولو منع من عد ذلك للزم ألا يعد ما يشترك الاسمان فيه مثلا من حيث المعنى ، مثل الخالق البارئ المصور لكنها عدت; لأنها ولو اشتركت في معنى الإيجاد والاختراع فهي مغايرة من جهة أخرى . وهي أن الخالق يفيد القدرة على الإيجاد والبارئ يفيد الموجد لجوهر المخلوق ، والمصور يفيد خالق الصورة في تلك الذات المخلوقة ، وإذا كان ذلك لا يمنع المغايرة لم يمتنع عدها أسماء مع ورودها والعلم عند الله تعالى . وهذا سردها لتحفظ ، ولو كان في ذلك إعادة ، ولكنه يغتفر لهذا القصد " الله الرحمن الرحيم ، الملك القدوس ، السلام المؤمن ، المهيمن العزيز ، الجبار المتكبر ، الخالق البارئ المصور ، الغفار القهار ، التواب الوهاب ، الخلاق الرزاق الفتاح ، العليم الحليم العظيم ، الواسع الحكيم ، الحي القيوم ، السميع البصير ، اللطيف الخبير ، العلي الكبير ، المحيط القدير ، المولى النصير ، الكريم الرقيب ، القريب المجيب ، الوكيل الحسيب ، الحفيظ المقيت ، الودود المجيد ، الوارث الشهيد ، الولي الحميد ، الحق المبين ، القوي المتين ، الغني المالك الشديد ، القادر المقتدر ، القاهر الكافي ، الشاكر المستعان ، الفاطر البديع الغافر ، الأول الآخر ، الظاهر الباطن ، الكفيل الغالب ، الحكم العادل الرفيع ، الحافظ المنتقم ، القائم المحيي ، الجامع المليك [ ص: 366 ] المتعالي ، النور الهادي ، الغفور الشكور ، العفو الرؤوف ، الأكرم الأعلى ، البر الحفي ، الرب الإله ، الواحد الأحد الصمد ، الذي لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد " .

ثم قال الحافظ : وقد اختلف في هذا العدد ، هل المراد به حصر الأسماء الحسنى في هذه ؟ أو أنها من ذلك ؟ ، ولكن اختصت هذه; لأن من أحصاها دخل الجنة ، فذهب الجمهور إلى الثاني ، ونقل النووي اتفاق العلماء عليه ، فقال : ليس في الحديث حصر أسماء الله تعالى ، وليس معناه أنه ليس له اسم غير هذه التسعة والتسعين ، وإنما مقصود الحديث أن هذه الأسماء من أحصاها دخل الجنة ، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء ، ويؤيده قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن مسعود الذي أخرجه أحمد وصححه ابن حبان : " أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحدا من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك " ، وعند مالك عن كعب الأحبار في دعاء " وأسألك بأسمائك الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم " وأورد الطبري عن قتادة نحوه من حديث عائشة أنها دعت بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحو ذلك ، وسيأتي في الكلام عن الاسم الأعظم . وقال الخطابي : في هذا الحديث إثبات هذه الأسماء المخصوصة بهذا العدد ، وليس فيه منع ما عداها من الزيادة ، وإنما التخصيص لكونها أكثر الأسماء وأبينها معاني . وخبر المبتدأ في الحديث هو قوله : " من أحصاها " لا قوله : " لله " وهو كقولك : لزيد ألف درهم أعدها للصدقة ، ولعمرو مائة ثوب من زاره ألبسه إياها " . وقال القرطبي في المبهم نحو ذلك ، ونقل ابن بطال عن القاضي أبي بكر بن الطيب قال : ليس في الحديث دليل على أنه ليس لله من الأسماء إلا هذه العدة ، وإنما معنى الحديث أن من أحصاها دخل الجنة . ويدل على عدم الحصر أن أكثرها صفات ، وصفات الله لا تتناهى ، وقيل : إن المراد الدعاء بهذه الأسماء ; لأن الحديث مبني على قوله : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ( 7 : 180 ) فذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها تسعة وتسعون فيدعى بها ، ولا يدعى بغيرها ، حكاه ابن بطال عن المهلب ، وفيه نظر ; لأنه ثبت في أخبار صحيحة الدعاء بكثير من الأسماء التي لم ترد في القرآن ، كما في حديث ابن عباس في قيام الليل : " أنت المقدم وأنت المؤخر " وغير ذلك . وقال الفخر الرازي : لما كانت الأسماء من الصفات ، وهي إما ثبوتية حقيقية كالحي ، أو إضافية كالعظيم ، وإما سلبية كالقدوس ، وإما من حقيقية وإضافية كالقدير ، أو من سلبية وإضافية كالأول والآخر ، وإما من حقيقية وإضافية وسلبية كالملك ، والسلوب غير متناهية ; لأنه عالم بلا نهاية قادر على ما لا نهاية له ، فلا يمتنع أن يكون له من ذلك [ ص: 367 ] اسم فيلزم أن لا نهاية لأسمائه ، وحكى القاضي أبو بكر بن العربي عن بعضهم أن لله ألف اسم ، قال ابن العربي : وهذا قليل فيها . ونقل الفخر الرازي عن بعضهم أن لله أربعة آلاف اسم استأثر بعلم ألف منها ، وأعلم الملائكة بالبقية ، والأنبياء بألفين منها ، وسائر الناس بألف . وهذه دعوى تحتاج إلى دليل ، واستدل بعضهم بهذا القول; لأنه ثبت في نفس حديث الباب " إنه وتر يحب الوتر " الرواية التي سردت فيها الأسماء لم يعد فيها الوتر ، فدل على أن له أسماء أخر غير التسعة والتسعين ، وتعقبه من ذهب إلى الحصر في التسعة والتسعين كابن حزم بأن الخبر الوارد لم يثبت رفعه ، وإنما هو مدرج كما تقدمت الإشارة إليه ، واستدل أيضا على عدم الحصر بأنه مفهوم عدد وهو ضعيف ، وابن حزم ممن ذهب إلى الحصر في العدد المذكور ، وهو لا يقول بالمفهوم أصلا ، ولكنه احتج بالتأكيد في قوله - صلى الله عليه وسلم - " إلا واحدا " قال : لأنه لو جاز أن يكون له اسم زائد على العدد المذكور لزم أن يكون له مائة اسم ؛ فيبطل قوله " مائة إلا واحدا " وهذا الذي قاله ليس بحجة على ما تقدم ; لأن الحصر المذكور عندهم باعتبار الوعد الحاصل لمن أحصاها ، فمن ادعى أن الوعد وقع لمن أحصى زائدا على ذلك خطأ ، ولا يلزم من ذلك ألا يكون هناك اسم زائد ، واحتج بقوله تعالى : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ( 7 : 180 ) وقد قال أهل التفسير : من الإلحاد في أسمائه تسميته بما لم يرد في الكتاب أو السنة الصحيحة ، وقد ذكر منها في آخر سورة الحشر عدة ، وختم ذلك بأن قال : له الأسماء الحسنى ( 59 : 24 ) قال : وما يتخيل من الزيادة في العدد المذكور لعله مكرر معنى وإن تغاير لفظا ، كالغافر والغفار والغفور مثلا فيكون المعدود من ذلك واحدا فقط ، فإذا اعتبرت ذلك وجمعت الأسماء الواردة نصا في القرآن ، وفي الصحيح من الحديث لم تزد على العدد المذكور ، وقال غيره : المراد بالأسماء الحسنى في قوله تعالى : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ما جاء في الحديث إن لله تسعة وتسعين اسما فإن ثبت الخبر الوارد في تعيينها وجب المصير إليه ، وإلا فليتبع من الكتاب العزيز والسنة الصحيحة ، فإن التعريف في الأسماء للعهد فلا بد من المعهود ، فإنه أمر بالدعاء بها ، ونهي عن الدعاء بغيرها ، فلا بد من وجود المأمور به . ( قلت ) : والحوالة على الكتاب العزيز أقرب ، وقد حصل بحمد الله تتبعها كما قدمته ، وبقي أن يعمد إلى ما تكرر لفظا ومعنى من القرآن فيقتصر عليه ، ويتتبع من الأحاديث الصحيحة تكملة العدة المذكورة فهو نمط آخر من التتبع عسى الله أن يعين عليه بحوله وقوته آمين اهـ . ( فتح ) والمتبادر من الحديث أنه جملتان ، فالأسماء الشرعية في الإسلام 99 وكان الحافظ أجدر العلماء بما رجاه في آخر كلامه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث