الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


39 - الحديث الأول : عن عائشة رضي الله عنها { أن فاطمة بنت أبي حبيش : سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إني أستحاض فلا أطهر ، أفأدع الصلاة ؟ قال : لا إن ذلك عرق ، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ، ثم اغتسلي وصلي } ، وفي رواية " وليست بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة : فاتركي الصلاة فيها ، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي " .

التالي السابق


الكلام على هذا الحديث عليه من وجوه :

أحدها : يقال : حاضت المرأة ، وتحيضت ، تحيض حيضا ، ومحاضا ومحيضا - إذا سال الدم منها في نوبة معلومة ، وإذا استمر من غير نوبة قيل : [ ص: 157 ] استحيضت فهي مستحاضة ، ونقل الهروي عن ابن عرفة أنه قال : المحيض ، والحيض : اجتماع الدم إلى ذلك المكان ، ومنه سمي الحوض حوضا ، لاجتماع الماء فيه . قال الفارسي في مجمعه - بعد ما نقل ما ذكرناه - وهذا زلل ظاهر ; لأن الحوض من ذوات الواو ، يقال : حضت أحوض ، أي اتخذت حوضا ، واستحوض الماء : إذا اجتمع وسميت الحائض حائضا عند سيلان الدم منها ، لا عند اجتماع الدم في رحمها ، وكذلك المستحاضة تسمى بذلك عند استمرار السيلان بها ، فإذا أخذ الحيض من الحوض خطأ ، لفظا ومعنى ، فلست أدري كيف وقع ؟ وما ذكره من جهة المعنى : فليس بالقاطع ; لأن تلك الحالة ليس يمتنع أن يطلق عليها لفظ الاجتماع ، لا سيما في بعض الأحوال .

، الثاني " أبو حبيش " بضم الحاء المهملة بعدها باء ثانية الحروف مفتوحة ، ثم ياء آخر الحروف ساكنة ثم شين معجمة ، وهو أبو حبيش المطلب بن أسد بن عبد العزى ، ووقع في أكثر نسخ صحيح مسلم ، عبد المطلب ، وذلك غلط عندهم والصواب " المطلب " كما ذكرنا .

الثالث : قولها " أستحاض " قد تقدم معنى الاستحاضة فيقال منه : استحيضت المرأة ، مبنيا للمفعول ، ولم يبن هذا الفعل للفاعل ، كما في قولهم " نفست المرأة " و " نتجت الناقة " وأصل الكلمة : من الحيض ، والزوائد التي لحقتها للمبالغة ، كما يقال : قر في المكان ، ثم يزاد للمبالغة ، فيقال : استقر ويقال : أعشب المكان ، ثم يبالغ فيه ، فيقال : اعشوشب . وكثيرا ما تجيء الزوائد لهذا المعنى .



الرابع : " الطهارة " تطلق بإزاء النظافة ، وهو الوضع اللغوي ، وتطلق بإزاء استعمال المطهر ، فيقال : الوضوء طهارة صغرى ، والغسل طهارة كبرى . وتطلق ويراد بها : الحكم الشرعي المرتب على استعمال المطهر . فيقال لمن ارتفع عنه مانع الحدث : هو على طهارة ، ولمن لم يرتفع عنه المانع : هو على غير طهارة ، [ ص: 158 ] فإذا ثبت هذا ، فنقول : قولها " فلا أطهر " يحمل على الوضع اللغوي ، وكنت باللفظة عن عدم النظافة الدم ; لأن النساء لم يكن يستعملن المطهر في ذلك الوقت ، ولا هي أيضا عالمة بالحكم الشرعي ، فإنها جاءت تسأل عنه . فتعين حمله على الوضع اللغوي ، ثم حقيقته : استمرار الدم ، وعليه حمله بعضهم ، ويمكن حمله على المبالغة ومجاز كلام العرب ، لكثرة تواليه ، وقرب بعضه من بعض .

الخامس : قولها " أفأدع الصلاة ؟ " سؤال عن استمرار حكم الحيض في حالة دوام الدم وإزالته ، وهو كلام من تقرر عنده : أن الحائض ممنوعة من الصلاة .



السادس : قوله صلى الله عليه وسلم " لا ، إنما ذلك عرق " فيه دليل على أن الصلاة لا يتركها من غلبه الدم من جرح ، أو انبثاق عرق ، كما فعل عمر رضي الله عنه حيث صلى وجرحه يثعب دما ، وقوله صلى الله عليه وسلم " إنما ذلك عرق " ظاهره : انبثاق الدم من عرق ، وقد جاء في الحديث " عرق انفجر " ويحتمل أن يكون من مجاز التشبيه ، إن كان سبب الاستحاضة كثرة مادة الدم وخروجه من مجاري الحيض المعتادة .



السابع : في الحديث دليل على أن الحائض تترك الصلاة من غير قضاء وهو كالإجماع من الخلف والسلف في تركها ، وعدم وجوب القضاء ، ولم يخالف في عدم وجوب القضاء إلا الخوارج . نعم استحب بعض السلف للحائض إذا دخل وقت الصلاة : أن تتوضأ وتستقبل القبلة . وتذكر الله عز وجل وأنكره بعضهم .



الثامن : قوله صلى الله عليه وسلم " قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها " رد إلى أيام العادة ، والمستحاضة : إما مبتدأة ، أو معتادة ، وكل منهما : إما مميزة ، أو غير مميزة ، فهذه أربعة ، والحديث قد دل بلفظه على أن هذه المرأة كانت معتادة . لقوله صلى الله عليه وسلم " دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها " وهذا يقتضي أنها كانت لها أيام تحيض فيها . وليس في هذا اللفظ الذي في هذه الرواية ما يدل على أنها كانت مميزة أو غير مميزة ، فإن ثبت في هذا الحديث رواية أخرى تدل على التمييز - ليس لها معارض - فذاك . وإن لم يثبت فقد يستدل بهذه الرواية من يرى الرد إلى أيام [ ص: 159 ] العادة ، سواء كانت مميزة أو غير مميزة ، وهو اختيار أبي حنيفة ، وأحد قولي الشافعي ، والتمسك به ينبني على قاعدة أصولية ، وهي ما يقال " إن ترك الاستفصال في قضايا الأحوال ، مع قيام الاحتمال ، ينزل منزلة عموم المقال " ومثلوه بقوله صلى الله عليه وسلم فيما روي لفيروز - وقد أسلم على أختين - " اختر أيتهما شئت " ولم يستفصله : هل وقع العقد عليهما مرتبا ، أو متقارنا ؟ وكذا نقول ههنا : لما سألت هذه المرأة عن حكمها في الاستحاضة ، ولم يستفصلها رسول الله عن كونها مميزة أو غير مميزة : كان ذلك دليلا على أن هذا الحكم عام في المميزة وغيرها ، كما قالوا في حديث فيروز الذي اعترض به ، ثم يرد ههنا أيضا ، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجوز أن يكون عالما حال الواقعة كيف وقعت ، فأجاب على ما علم ، وكذا يقال هنا : يجوز أن يكون علم حال الواقعة في التمييز أو عدمه ، وقوله في رواية { وليس بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي } اختار بعضهم في قوله " وليس بالحضة " كسر الحاء ، أي الحالة المألوفة المعتادة . والحيضة - بالفتح - المرة من الحيض .

، وقوله " فإذا أقبلت " تعليق الحكم بالإقبال والإدبار ، فلا بد أن يكون معلوما لها بعلامة تعرفها ، فإن كانت مميزة وردت إلى التمييز ، فإقبالها : بدء الدم الأسود ، وإدبارها : إدبار ما هو بصفة الحيض ، وإن كانت معتادة ، وردت إلى العادة ، فإقبالها : وجود الدم في أول أيام العادة . وإدبارها : انقضاء أيام العادة .

، وقد ورد في حديث فاطمة بنت أبي حبيش - هذه - ما يقتضي الرد إلى التمييز ، وقالوا : إن حديثها في المميزة ، وحمل قوله " فإذا أقبلت الحيضة " على الحيضة المألوفة التي هي بصفة الدم المعتاد ، وأقوى الروايات في الرد إلى التمييز : الرواية التي فيها " دم الحيض أسود يعرف ، فإذا كان ذلك فأمسكي عن [ ص: 160 ] الصلاة " وأما الرد إلى العادة : فقد ذكرناها في الرواية الأولى التي ذكرها المصنف وقد يشير إليه في هذه الرواية قوله صلى الله عليه وسلم " فإذا ذهب قدرها " فالأشبه أنه يريد قدر أيامها .

وصحف بعض الطلبة هذه اللفظة فقال " فإذا ذهب قذرها " بالذال المعجمة المفتوحة ، وإنما هو بالمهملة الساكنة ، أي قدر وقتها ، والله أعلم .



وقوله " فاغسلي عنك الدم وصلي " مشكل في ظاهره ; لأنه لم يذكر الغسل ولا بد بعد انقضاء الحيض من الغسل ، وحمل بعضهم هذا الإشكال على أن جعل الإدبار : انقضاء أيام الحيض ، والاغتسال ، وجعل قوله " فاغسلي عنك الدم " محمولا على دم يأتي بعد الغسل ، والجواب الصحيح : أن هذه الرواية - وإن لم يذكر فيها الغسل - فقد ذكر في رواية أخرى صحيحة ، فقال فيها " واغتسلي " .

، وفي الحديث دليل على نجاسة دم الحيض .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث