الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب مجاوزة الميقات بغير إحرام

جزء التالي صفحة
السابق

( باب مجاوزة الميقات بغير إحرام ) .

وصله بما قبله ; لأنه جناية أيضا لكن ما سبق جناية بعد الإحرام ، وهذا قبله والميقات مشترك بين الزمان والمكان بخلاف الوقت فإنه خاص بالزمان ، والمراد به هنا الميقات المكاني بدليل المجاوزة ، وقد قدمنا أنه لا يجوز مجاوزة آخر المواقيت إلا محرما فإذا جاوزه بلا إحرام لزمه دم ، وأحد النسكين إما حج أو عمرة ; لأن مجاوزة الميقات بنية دخول الحرم بمنزلة إيجاب الإحرام على نفسه ، ولو قال : لله علي أن أحرم لزمه إما حج أو عمرة فكذلك إذا وجب بالفعل كما إذا افتتح صلاة التطوع ثم أفسدها وجب عليه قضاء ركعتين كما لو أوجبها بالقول ( قوله : من جاوز الميقات غير محرم ثم عاد محرما ملبيا أو جاوز ثم أحرم بعمرة ثم أفسد ، وقضى بطل الدم ) أي من جاوز آخر المواقيت بغير إحرام ثم عاد إليه ، وهو محرم ، ولبى فيه فقد سقط عنه الدم الذي لزمه بالمجاوزة بغير إحرام ; لأنه قد تدارك ما فاته أطلق الإحرام فشمل إحرام الحج فرضا كان أو نفلا ، وإحرام العمرة ، وأشار إلى أنه لو عاد بغير إحرام ثم أحرم منه فإنه يسقط الدم بالأولى ; لأنه أنشأ التلبية الواجبة عند ابتداء الإحرام ، ولهذا كان السقوط متفقا عليه ، وقيد بكونه ملبيا في الميقات ; لأنه لو عاد محرما ، ولم يلب في الميقات فإنه لا يسقط الدم عنه ، وهو قول الإمام ; لأنه لا يكون متداركا لما [ ص: 52 ] فاته إلا بها ، وعندهما يسقط الدم مطلقا كما لو أحرم من دويرة أهله ، ومر بالمواقيت ساكتا فإنه لا شيء عليه اتفاقا وجوابه أن الإحرام من دويرة أهله هو العزيمة ، وقد أتى به فإذا ترخص بالتأخير إلى الميقات وجب عليه قضاء حقه بإنشاء التلبية ، وأشار إلى أنه لو عاد محرما ، ولم يلب فيه لكن لبى بعدما جاوزه ثم رجع ، ومر به ساكتا فإنه يسقط عنه بالأولى ; لأنه فوق الواجب عليه في تعظيم البيت ، وأطلق في العود فشمل ما إذا عاد إلى الميقات الذي جاوزه غير محرم أو إلى غيره أقرب أو أبعد ; لأن المواقيت كلها سواء في حق الإحرام والأولى أن يحرم من وقته كذا في المحيط ، وقيدنا بكونه جاوز آخر المواقيت لما قدمناه في باب الإحرام أنه لا يجب إلا عند آخرها ويجوز مجاوزة ميقاته بغير إحرام إذا كان بعده ميقات آخر وترك المصنف قيدا لا بد منه ، وهو أن يكون العود إلى الميقات قبل الشروع في الأعمال فلو عاد إليه بعدما طاف شوطا لا يسقط عنه الدم اتفاقا ، وكذا بعد الوقوف بعرفة من غير طواف ; لأن ما شرع فيه وقع معتدا به فلا يعود إلى حكم الابتداء بالعود إلى الميقات .

وما في الهداية من التقييد باستلام الحجر مع الطواف فليس احترازيا بل الطواف يؤكد الدم من غير استلام كما نبه عليه في العناية ، ولم يذكر المصنف أن العود أفضل أو تركه ، وفي المحيط إن خاف فوت الحج إذا عاد فإنه لا يعود ويمضي في إحرامه ، وإن لم يخف فوته عاد ; لأن الحج فرض والإحرام من الميقات واجب ، وترك الواجب أهون من ترك الفرض . ا هـ .

فاستفيد منه أنه لا تفصيل في العمرة ، وأنه يعود ; لأنها لا تفوت أصلا وبما قررناه علم أنه لا حاجة إلى قوله أو جاوز ثم أحرم إلى آخره لدخوله تحت قوله ثم عاد محرما ملبيا ; لأنه لا فرق كما علمت بين إحرام الحج والعمرة أداء أو قضاء ، وإن كان أفردها لأجل أن زفر يخالف فيها فهو مخالف أيضا فيما قبلها خصوصا أنه موهم غير المراد فإنه لم يشترط العود إلى الميقات في القضاء ، ولا بد منه للسقوط ، وقيد بالعمرة ، وليس احترازيا بل إذا فسد الحج ثم قضاه بأن عاد إلى الميقات فالحكم كذلك من سقوط الدم .

التالي السابق


( باب مجاوزة الميقات بغير إحرام ) .

( قول المصنف من جاوز الميقات غير محرم ) قال : في النهر كان عليه أن يقول لزمه دم إلا أنه اكتفى بما فهم اقتضاء من قوله بطل الدم [ ص: 52 ] ( قوله : وما في الهداية من التقييد باستلام الحجر ) أي حيث قال : لو عاد بعدما ابتدأ الطواف واستلم الحجر ، وكذا في بعض نسخ الدرر ، وفي بعضها أو استلم بأو ، قال : في الشرنبلالية بعد نقله عبارة المؤلف فليحرر هل مجرد الاستلام مانع للسقوط أو لا بد فيه من الطواف . ا هـ .

قلت : الذي يظهر من عبارة العناية عدم اعتبار الاستلام مانعا وذلك أنه قال بعد تعليل المسألة وظهر لك بما ذكرنا أن قوله واستلم الحجر لبيان أن المعتبر في ذلك الشوط . ا هـ .

وحاصله أن ذكر الاستلام لإفادة أن المانع هو الشوط الكامل ، وليس احترازيا ، وكيف يكون الاستلام بمجرده مانعا مع أنه يكون أيضا قبل الابتداء بالطواف تأمل ، وقال منلا علي القاري عند قول صاحب اللباب ، وإن عاد بعد شروعه كأن استلم الحجر الأولى كأن نوى الطواف سواء استلمه أو لا وسواء ابتدأ منه أو لا بل الصواب أن يقال : بأن نوى . ا هـ .

( قوله : وبما قررناه علم إلخ ) قرر في النهر كلام المتن بأن قوله ثم أحرم بعمرة يعلم منه ما إذا أحرم بحجة بالأولى ، وقوله ثم أفسد أي تلك العمرة أو الحجة ، وقضى ما أفسده من الميقات بأن أحرم في القضاء منه ، وعزاه إلى الزيلعي ثم قال : وبه اندفع ما في البحر ; لأن موضوع الأولى ما إذا عاد بعد الإحرام إلى الميقات ، وفيها لا فرق بين الحج والعمرة أداء ، وقضاء والثانية ما إذا أنشأ إحرام القضاء من الميقات ولذا لم يقل ثم عاد قاضيا . ا هـ .

ولا يخفى عليك إن أنصفت ما فيه ; لأن قوله ثم عاد ليس قيدا احترازيا عما إذا أنشأ الإحرام منه بل ليدخل فيه ذلك بالأولى كما مر ; ولأن مسألة القضاء لا تختص بما إذا أنشأ الإحرام من الميقات بل كذلك ما إذا عاد محرما ملبيا بالقضاء فلا فرق حينئذ بين القضاء والأداء والمتون مبنية على الاختصار ، ولا شك أنه لو اقتصر على الأولى لشمل أداء الحج فرضه ونفله والعمرة وقضاءهما . ( قوله : بل إذا فسد الحج ثم قضاه بأن عاد إلى الميقات ) كذا في بعض النسخ ، وفي غيرها بل إذا فسد الحج ثم عاد بأن قضاه فالحكم إلخ والأولى أظهر .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث