الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى "وأيديكم إلى المرافق"

القول في تأويل قوله عز ذكره ( وأيديكم إلى المرافق )

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في "المرافق" ، هل هي من اليد الواجب غسلها ، أم لا؟ بعد إجماع جميعهم على أن غسل اليد إليها واجب .

فقال مالك بن أنس وسئل عن قول الله : "فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق" أترى أن يخلف المرفقين في الوضوء؟ قال : الذي أمر به أن يبلغ "المرفقين" ، قال تبارك وتعالى : " فاغسلوا وجوهكم " فذهب هذا يغسل خلفه!! فقيل له : فإنما يغسل إلى المرفقين والكعبين لا يجاوزهما؟ فقال : لا أدري"ما لا يجاوزهما" أما الذي أمر به أن يبلغ به فهذا إلى المرفقين والكعبين . حدثنا يونس ، عن أشهب عنه . [ ص: 47 ]

وقال الشافعي : لم أعلم مخالفا في أن المرافق فيما يغسل" ، كأنه يذهب إلى أن معناها : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى أن تغسل المرافق حدثنا بذلك عنه الربيع .

وقال آخرون : إنما أوجب الله بقوله : "وأيديكم إلى المرافق" غسل اليدين إلى المرفقين ، فالمرفقان غاية لما أوجب الله غسله من آخر اليد ، والغاية غير داخلة في الحد ، كما غير داخل الليل فيما أوجب الله تعالى على عباده من الصوم بقوله : ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) [ سورة البقرة : 187 ] لأن الليل غاية لصوم الصائم ، إذا بلغه فقد قضى ما عليه . قالوا : فكذلك المرافق في قوله : " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق " غاية لما أوجب الله غسله من اليد . وهذا قول زفر بن الهذيل .

قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا : أن غسل اليدين إلى المرفقين من الفرض الذي إن تركه أو شيئا منه تارك لم تجزه الصلاة مع تركه غسله . فأما المرفقان وما وراءهما ، فإن غسل ذلك من الندب الذي ندب إليه صلى الله عليه وسلم أمته بقوله :

11432 - "أمتي الغر المحجلون من آثار الوضوء ، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" . [ ص: 48 ]

فلا تفسد صلاة تارك غسلهما وغسل ما وراءهما ، لما قد بينا قبل فيما مضى : من أن كل غاية حدت ب"إلى" فقد تحتمل في كلام العرب دخول الغاية في الحد وخروجها منه . وإذا احتمل الكلام ذلك لم يجز لأحد القضاء بأنها داخلة فيه ، إلا لمن لا يجوز خلافه فيما بين وحكم ، ولا حكم بأن المرافق داخلة فيما يجب غسله عندنا ممن يجب التسليم بحكمه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث