الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في شرائط وجوب اللعان وجوازه

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما شرائط وجوب اللعان وجوازه فأنواع : بعضها يرجع إلى القاذف خاصة ، وبعضها يرجع إلى المقذوف خاصة ، وبعضها يرجع إليهما جميعا ، وبعضها يرجع إلى المقذوف به ، وبعضها يرجع إلى المقذوف فيه ، وبعضها يرجع إلى نفس القذف .

أما الذي يرجع إلى القاذف خاصة فواحد وهو عدم إقامة البينة ; لأن الله تعالى شرط ذلك في آية اللعان بقوله عز وجل { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله } الآية حتى لو أقام أربعة من الشهود على المرأة بالزنا لا يثبت اللعان ويقام عليها حد الزنا ; لأنه قد ظهر زناها بشهادة الشهود ولو شهد أربعة أحدهم الزوج فإن لم يكن من الزوج قذف قبل ذلك تقبل شهادتهم ويقام عليها الحد عندنا ، وعند الشافعي لا تقبل شهادة الزوج عليها .

وجه قول الشافعي أن الزوج متهم في شهادته لاحتمال أنه حمله الغيظ على ذلك ولا شهادة للمتهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه يدفع المغرم عن نفسه وهو اللعان ولا شهادة لدافع المغرم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولنا أن شهادته بالقبول أولى من شهادة الأجنبي ; لأنها أبعد من التهمة إذ العادة أن الرجل يستر على امرأته ما يلحقه به شين فلم يكن متهما في شهادته فتقبل كشهادة الوالد على ولده ، وقوله إنه يدفع المغرم عن نفسه بهذه الشهادة ممنوع فإنه لم يسبق منه قذف يوجب اللعان فإنه لم يسبق هذه الشهادة قذف ليدفع اللعان بها فصار كشهادة الأجنبي فإنها تقبل ولا يجعل دافعا للحد عن نفسه كذا هذا ، وإن كان الزوج قذفها أولا ثم جاء بثلاثة سواه فشهدوا فهم قذفة يحدون وعلى الزوج اللعان ; لأنه لما سبق منه القذف فقد وجب عليه اللعان فهو بشهادته جعل دافعا للضرر عن نفسه فلا تقبل شهادته والزنا لا يثبت بشهادة ثلاثة فصار قذفة فيحدون حد القذف ، ويلاعن الزوج لقذف زوجته فإن جاء هو وثلاثة شهدوا أنها قد زنت فلم يعدلوا فلا [ ص: 241 ] حد عليها ; لأن زناها لم يثبت إلا بشهادة الفساق ولا حد عليهم ; لأن الفاسق من أهل الشهادة .

ألا ترى أن الله تعالى أمر بالتوفيق في بيانه ؟ فقد وجد إتيان أربعة شهداء فكيف يجب عليهم الحد ؟ ولا لعان على الزوج ; لأنه شاهد وليس بقاذف فإن شهدوا معه ثلاثة عمي حد وحدوا أي يلاعن الزوج ويحدون في القذف ; لأن العميان لا شهادة لهم قطعا فلم يكن قولهم حجة أصلا فكانوا قذفة فيحدون حد القذف ويلاعن الزوج ; لأن قذف الزوج يوجب اللعان إذا لم يأت بأربعة شهداء ولم يأت بهم .

وأما الذي يرجع إلى المقذوف خاصة فشيئان : أحدهما إنكارها وجود الزنا منها حتى لو أقرت بذلك لا يجب اللعان ويلزمها حد الزنا وهو الجلد إن كانت غير محصنة والرجم إن كانت محصنة لظهور زناها بإقرارها ، والثاني عفتها عن الزنا فإن لم تكن عفيفة لا يجب اللعان بقذفها كما لا يجب الحد في قذف الأجنبية إذا لم تكن عفيفة ; لأنه إذا لم تكن عفيفة فقد صدقته بفعلها فصار كما لو صدقته بقولها ولما نذكر في كتاب الحدود ونذكر تفسير العفة عن الزنا فيه إن شاء الله تعالى .

وعلى هذا قالوا في المرأة إذا وطئت بشبهة ثم قذفها زوجها لا يجب عليه اللعان ولو قذفها أجنبي لا يجب عليه الحد ; لأنها وطئت وطئا حراما فذهبت عفتها ، ثم رجع أبو يوسف وقال : يجب بقذفها الحد واللعان ; لأن هذا وطء يتعلق به ثبوت النسب ووجوب المهر فكان كالموجود في النكاح فلا يزيل العفة عن الزنا .

والجواب أن الوطء حرام لعدم النكاح إنما الموجود شبهة النكاح فكان ينبغي أن يجب الحد عليها إلا أنه سقط للشبهة فلأن يسقط الحد واللعان عن القاذف لمكان الحقيقة أولى .

وأما الذي يرجع إليهما جميعا فهو أن يكونا زوجين حرين عاقلين بالغين مسلمين ناطقين غير محدودين في القذف أما اعتبار الزوجية فلأن الله تبارك وتعالى خص اللعان بالأزواج بقوله تعالى { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم } وأنه حكم ثبت تعبدا غير معقول المعنى فيقتصر على مورد التعبد وإنما ورد التعبد به في الأزواج فيقتصر عليهم وعلى هذا قال أصحابنا : إن من تزوج امرأة نكاحا فاسدا ثم قذفها لم يلاعنها لعدم الزوجية إذ النكاح الفاسد ليس بنكاح حقيقة ، وقال الشافعي : يلاعنها إذا كان القذف بنفي الولد ; لأن القذف إذا كان بنفي الولد تقع الحاجة إلى قطع النسب والنسب يثبت بالنكاح الفاسد كما يثبت بالنكاح الصحيح فيشرع اللعان لقطع النسب والجواب أن قطع النسب يكون بعد الفراغ من اللعان ولا لعان إلا بعد وجوبه ولا وجوب لعدم شرطه وهو الزوجية .

ولو طلق امرأته طلاقا بائنا أو ثلاثا ثم قذفها بالزنا لا يجب اللعان لعدم الزوجية لبطلانها بالإبانة والثلاث ، ولو طلقها طلاقا رجعيا ثم قذفها يجب اللعان ; لأن الطلاق الرجعي لا يبطل الزوجية ولو قذف امرأته بزنى كان قبل الزوجية فعليه اللعان عندنا ، وعند الشافعي عليه حد القذف واحتج بآية القذف وهي قوله تعالى { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة } ، ولنا آية اللعان وهي قوله تعالى { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله } من غير فضل بين ما إذا كان القذف بزنا بعد الزوجية أو قبلها والدليل على أنه قذف زوجته أنه أضاف القذف إليها وهي للحال زوجته إلا أنه قذفها بزنى متقدم وبهذا لا تخرج من أن تكون زوجته في الحال كما إذا قذف أجنبية بزنا متقدم حتى يلزمه القذف كذا ههنا .

وأما آية القذف فهي متقدمة على آية اللعان فيجب تخريجها على التناسخ فينسخ الخاص المتأخر العام المتقدم بقدره عند عامة مشايخنا وعنده يقضي العام على الخاص بطريق التخصيص على ما مر ولو قذف امرأته بعد موتها لم يلاعن عندنا ، وعند الشافعي يلاعن على قبرها واحتج بظاهر قوله عز وجل في آية اللعان { فشهادة أحدهم } من غير فصل بين حال الحياة والموت .

ولنا قوله عز وجل { والذين يرمون أزواجهم } الآية خص سبحانه وتعالى اللعان بالأزواج وقد زالت الزوجية بالموت فلم يوجد قذف الزوجة فلا يجب اللعان وبه تبين أن الميتة لم تدخل تحت الآية ; لأن الله تعالى أوجب هذه الشهادة بقذف الأزواج بقوله { والذين يرمون أزواجهم } وبعد الموت لم تبق زوجة له .

وأما اعتبار الحرية والعقل والبلوغ والإسلام والنطق وعدم الحد في القذف فالكلام في اعتبار هذه الأوصاف شرطا لوجوب اللعان فرع الكلام في معنى اللعان وما يثبته شرعا وقد اختلف فيه قال أصحابنا : إن اللعان شهادة مؤكدة بالأيمان مقرونة باللعن [ ص: 242 ] وبالغضب وإنه في جانب الزوج قائم مقام حد القذف وفي جانبها قائم مقام حد الزنا ، وقال الشافعي : اللعان أيمان بلفظ الشهادة مقرونة باللعن والغضب فكل من كان من أهل الشهادة واليمين كان من أهل اللعان ومن لا فلا عندنا ، وكل من كان من أهل اليمين فهو من أهل اللعان عنده سواء كان من أهل الشهادة أو لم يكن ، ومن لم يكن من أهل الشهادة واليمين كان من أهل اللعان احتج الشافعي بقوله تعالى في تفسير اللعان { فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله } فسر الله تعالى اللعان بالشهادة بالله والشهادة بالله يمين .

ألا ترى أن من قال : أشهد بالله يكون يمينا إلا أنه يمين بلفظ الشهادة ; ولأن اللعان لو كان شهادة لما قرنه بذكر اسم الله تعالى ; لأن الشهادة لا تفتقر إلى ذلك وإنما اليمين هي التي تفتقر إليه ; ولأنه لو كان شهادة لكانت شهادة على النصف من شهادة الرجل كما في سائر المواضع التي للمرأة فيها شهادة فينبغي أن تشهد المرأة عشر مرات فلما لم يكن ذلك دل أنه ليس بشهادة والدليل على أنه يمين ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرق بين المتلاعنين وكانت المرأة حبلى فقال لها : { إذا ولدت ولدا فلا ترضعيه حتى تأتيني به فلما انصرفوا عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ولدته أحمر مثل الدبس فهو يشبه أباه الذي نفاه ، وإن ولدته أسود أدعج جعدا قططا فهو يشبه الذي رميت به فلما وضعت وأتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إليه فإذا هو أسود أدعج جعد قطط على ما نعته رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم لولا الأيمان التي سبقت لكان لي فيها رأي } وفي بعض الروايات { لكان لي ولها شأن } فقد سمى صلى الله عليه وسلم اللعان أيمانا لا شهادة فدل أنه يمين لا شهادة .

( ولنا ) قوله تعالى { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله } والاستدلال بالآية الكريمة من وجهين أحدهما أنه تعالى سمى الذين يرمون أزواجهم شهداء ; لأنه استثناء من الشهداء بقوله تعالى { ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم } والمستثنى من جنس المستثنى منه ، والثاني أنه سمى اللعان شهادة نصا بقوله عز وجل { فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله } والخامسة أي الشهادة الخامسة وقال تعالى في جانبها { ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله } والخامسة أي الشهادة الخامسة إلا أنه تعالى سماه شهادة بالله تأكيدا للشهادة باليمين ، فقوله أشهد يكون شهادة وقوله بالله يكون يمينا وهذا مذهبنا أنه شهادات مؤكدة بالأيمان وهو أولى مما قاله المخالف لأنه عمل باللفظين في معنيين وفيما قاله حمل اللفظين على معنى واحد فكان ما قلناه أولى والدليل على أنه شهادة أنه شرط فيه لفظ الشهادة وحضرة الحاكم .

وأما قوله لو كان شهادة لكان في حق المرأة على النصف من شهادة الرجل فنقول هو شهادة مؤكدة باليمين فيراعى فيه معنى الشهادة ومعنى اليمين وقد راعينا معنى الشهادة فيه باشتراط لفظة الشهادة فيراعى معنى اليمين بالتسوية بين الرجل والمرأة في العدد عملا بالشبهين جميعا ولا حجة له في الحديث ; لأنه روي في بعض الروايات لولا ما مضى من الشهادات وهذا حجة عليه حيث سماه شهادة نقول بموجبه أنه يمين لكن هذا لا ينفي أن يكون شهادة فهو شهادة مؤكدة باليمين والله تعالى الموفق .

وإذا عرف هذا الأصل تخرج عليه المسائل ، أما اعتبار العقل والبلوغ فلأن الصبي والمجنون ليسا من أهل الشهادة واليمين فلا يكونان من أهل اللعان بالإجماع وأما الحرية فالمملوك ليس من أهل الشهادة فلا يكون من أهل اللعان بالإجماع وأما الإسلام فالكافر ليس من أهل الشهادة على المسلم وإن كان المسلم من أهل الشهادة على الكافر .

وإذا كانا كافرين فالكافر وإن كان من أهل الشهادة على الكافر فليس من أهل اليمين بالله تعالى ; لأنه ليس من أهل حكمها وهو الكفارة ولهذا لم يصح ظهار الذمي عندنا ، واللعان عندنا شهادات مؤكدة بالأيمان فمن لا يكون من أهل اليمين لا يكون من أهل اللعان .

وأما اعتبار النطق فلأن الأخرس لا شهادة له ; لأنه لا يتأتى منه لفظة الشهادة ; ولأن القذف منه لا يكون إلا بالإشارة ، والقذف بالإشارة يكون في معنى القذف بالكتابة وإنه لا يوجب اللعان كما لا يوجب الحد لما نذكره في الحدود إن شاء الله تعالى .

وأما المحدود في القذف فلا شهادة له ; لأن الله تعالى رد شهادته على التأبيد ولا يلزم على هذا الأصل قذف الفاسق والأعمى فإنه يوجب اللعان ولا شهادة لهما ; لأن الفاسق له شهادة في الجملة ولهما جميعا أهلية الشهادة .

ألا ترى أن القاضي لو قضى بشهادتهما جاز قضاؤه ومعلوم [ ص: 243 ] أنه لا يجوز القضاء بشهادة من ليس من أهل الشهادة كالصبي والمجنون والمملوك إلا أنه لا تقبل شهادة الأعمى في سائر المواضع ; لأنه لا يميز بين المشهود له والمشهود عليه لا لأنه ليس من أهل الشهادة ، ثم هذه الشرائط كما هي شرط وجوب اللعان فهي شرط صحة اللعان وجوازه حتى لا يجري اللعان بدونها ، وعند الشافعي يجري اللعان بين المملوكين والأخرسين والمحدودين في القذف ; لأن هؤلاء من أهل اليمين فكانوا من أهل اللعان وكذا بين الكافرين ; لأن يمين الكافر صحيحة عنده لا من أهل الإعتاق والكسوة والإطعام ولهذا قال يجوز ظهار الذمي وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة وأبي يوسف أنهما إذا التعنا عند الحاكم ولم يفرق بينهما حتى عزل أو مات فالحاكم الثاني يستقبل اللعان بينهما ; لأن اللعان لما كان شهادة فالشهود إذا شهدوا عند الحاكم فمات أو عزل قبل القضاء بشهادتهم لم يعتد الحاكم بتلك الشهادة ، وعند محمد لا يستقبل اللعان .

وقوله لا يخرج على هذا الأصل ولكن الوجه له أن اللعان قائم مقام الحد فإذا التعنا فكأنه أقيم الحد ، والحد بعد إقامته لا يؤثر فيه العزل والموت والجواب أن حكم القذف لا يتناهى إلا بالتفريق فيؤثر العزل والموت قبله ، ثم ابتداء الدليل لنا في المسألة ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { : أربعة لا لعان بينهم وبين أزواجهم : لا لعان بين المسلم والكافر ، والعبد والحرة ، والحر والأمة والكافر والمسلمة } وصورته الكافر أسلمت زوجته فقبل أن يعرض الإسلام على زوجها قذفها بالزنا .

( ولنا ) أصل آخر لتخريج المسائل عليه وهو أن كل قذف لا يوجب الحد لو كان القاذف أجنبيا لا يوجب اللعان إذا كان القاذف زوجا ; لأن اللعان موجب القذف في حق الزوج كما أن الحد موجب القذف في الأجنبي وقذف واحد ممن ذكرنا لا يوجب الحد ولو كان أجنبيا فإذا كان زوجا لا يوجب اللعان .

وابتداء ما يحتج به الشافعي عموم آية اللعان إلا من خص بدليل ولا حجة له فيها ; لأن الله تعالى سمى الذين يرمون أزواجهم شهداء في آية اللعان واستثناهم من الشهداء المذكورين في آية القذف ولم يدخل واحد ممن ذكرنا في المستثنى منهم فكذا في المستثنى ; لأن الاستثناء استخراج من تلك الجملة وتحصيل منها ، وأما الذي يرجع إلى المقذوف به والمقذوف فيه ونفس القذف فنذكره في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث