الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك

جزء التالي صفحة
السابق

وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا .

قوله تعالى: " وإن كادوا ليفتنونك " في سبب نزولها أربعة أقوال:

أحدها: أن وفد ثقيف أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: متعنا باللات سنة، وحرم وادينا كما حرمت مكة، فأبى ذلك، فأقبلوا يكثرون مسألتهم، وقالوا: إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم، فإن خشيت أن يقول العرب: أعطيتهم ما لم تعطنا، فقل: الله أمرني بذلك، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم [ عنهم ]، وداخلهم الطمع، فنزلت هذه الآية، رواه عطاء عن ابن عباس . وروى عطية عن ابن عباس أنهم قالوا: أجلنا سنة، ثم نسلم ونكسر أصنامنا، فهم أن يؤجلهم، فنزلت هذه الآية .

والثاني: أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا نكف عنك إلا بأن تلم بآلهتنا، ولو بأطراف أصابعك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما علي لو فعلت والله يعلم إني لكاره " ، فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير، وهذا باطل [ ص: 68 ] لا يجوز أن يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ما ذكرنا عن عطية من أنه هم أن ينظرهم سنة، وكل ذلك محال في حقه وفي حق الصحابة أنهم رووا عنه .

والثالث: أن قريشا خلوا برسول الله ليلة إلى الصباح يكلمونه ويفخمونه، ويقولون: أنت سيدنا وابن سيدنا، وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله من ذلك، ونزلت هذه الآية، قاله قتادة .

والرابع: أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اطرد عنك سقاط الناس ومواليهم، وهؤلاء الذين رائحتهم رائحة الضأن، وذلك أنهم كانوا يلبسون الصوف، حتى نجالسك ونسمع منك، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ما يستدعي به إسلامهم، فنزلت هذه الآيات، حكاه الزجاج، قال: ومعنى الكلام: كادوا يفتنونك، ودخلت " إن " واللام للتوكيد . قال المفسرون: وإنما قال: " ليفتنونك " ; لأن في إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن .

قوله تعالى: " لتفتري " ; أي: لتختلق، " علينا غيره " وهو قولهم: قل: الله أمرني بذلك، " وإذا " لو فعلت ذلك " لاتخذوك خليلا " ; أي: والوك وصافوك .

قوله تعالى: " ولولا أن ثبتناك " على الحق لعصمتنا إياك، " لقد كدت تركن إليهم " ; أي: هممت وقاربت أن تميل إلى مرادهم " شيئا قليلا " قال ابن عباس وذلك حين سكت عن جوابهم، والله أعلم بنيته . وقال ابن الأنباري: الفعل في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي الباطن للمشركين، وتقديره: لقد كادوا يركنونك إليهم، وينسبون إليك ما يشتهونه مما تكره، فنسب الفعل إلى غير فاعله عند أمن اللبس، كما يقول الرجل للرجل: كدت تقتل نفسك اليوم، يريد: كدت تفعل فعلا يقتلك غيرك من أجله ; فهذا من المجاز والاتساع، وشبيه [ ص: 69 ] بهذا قوله: فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون [ البقرة: 132 ]، وقول القائل: لا أرينك في هذا الموضع .

قوله تعالى: " إذا لأذقناك " المعنى: لو فعلت ذلك الشيء القليل " لأذقناك ضعف الحياة " ; أي: ضعف عذاب الحياة " وضعف " عذاب " الممات " ، ومثله قول الشاعر:


[ نبئت أن النار بعدك أوقدت ] واستب بعدك يا كليب المجلس



أي: أهل المجلس . وقال ابن عباس: ضعف عذاب الدنيا والآخرة . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوما، ولكنه تخويف لأمته ; لئلا يركن أحد من المؤمنين إلى أحد من المشركين في شيء من أحكام الله وشرائعه .

قوله تعالى: " وإن كادوا ليستفزونك من الأرض " في سبب نزولها قولان:

أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة، حسدته اليهود على مقامه بالمدينة وكرهوا قربه، فأتوه، فقالوا: يا محمد أنبي أنت ؟ قال: " نعم " ، قالوا: فوالله لقد علمت ما هذه بأرض الأنبياء، وأن أرض الأنبياء الشام، فإن كنت نبيا فائت الشام، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس . وقال سعيد بن جبير: هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشخص عن المدينة، فنزلت هذه الآية . [ ص: 70 ] وقال عبد الرحمن بن غنم: لما قالت له اليهود هذا، صدق ما قالوا، وغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك نزلت هذه الآية .

والثاني: أنهم المشركون أهل مكة هموا بإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فأمره الله بالخروج، وأنزل هذه الآية إخبارا عما هموا به، قاله الحسن ومجاهد . وقال قتادة: هم أهل مكة بإخراجه من مكة، ولو فعلوا ذلك ما نوظروا، ولكن الله كفهم عن إخراجه حتى أمره بالخروج . وقيل: ما لبثوا حتى بعث الله عليهم القتل ببدر . فعلى القول الأول المشار إليهم: اليهود، والأرض: المدينة . وعلى الثاني: هم المشركون، والأرض: مكة . وقد ذكرنا معنى ( الاستفزاز ) آنفا ( الإسراء: 64 )، وقيل: المراد به هاهنا: القتل، ليخرجوه من الأرض كلها، روي عن الحسن .

قوله تعالى: " وإذا لا يلبثون خلفك " قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ، وأبو بكر عن عاصم: ( خلفك ) . وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: ( خلافك ) . قال الأخفش: ( خلافك ) في معنى خلفك، والمعنى: لا يلبثون بعد خروجك " إلا قليلا " ; أي: لو أخرجوك لاستأصلناهم بعد خروجك بقليل، وقد جازاهم الله على ما هموا به، فقتل صناديد المشركين ببدر، وقتل من اليهود بني قريظة، وأجلى النضير . وقال ابن الأنباري: معنى الكلام: لا يلبثون [ ص: 71 ] على خلافك ومخالفتك، فسقط حرف الخفض . وقرأ أبو رزين وأبو المتوكل: ( خلافك بضم الخاء، وتشديد اللام، ورفع الفاء .

قوله تعالى: " سنة من قد أرسلنا " قال الفراء: نصب السنة على العذاب المضمر ; أي: يعذبون كسنتنا فيمن أرسلنا . وقال الأخفش: المعنى: سنها سنة . وقال الزجاج: النصب بمعنى " لا يلبثون " ، وتأويله: إنا سننا هذه السنة فيمن أرسلنا قبلك أنهم إذا أخرجوا نبيهم أو قتلوه، لم يلبث العذاب أن ينزل بهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث