الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

كتاب البيوع

عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع حبل الحبلة وكان بيعا يبتاعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها ولم يقل مسلم ثم تنتج وإنما قال ثم تحمل التي نتجت .

التالي السابق


(كتاب البيوع)

(الحديث الأول)

عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع حبل الحبلة وكان بيعا يبتاعه أهل الجاهلية ؛ كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها .

(فيه) فوائد:

(الأولى) أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي من رواية مالك وأخرجه الشيخان وأبو داود من رواية عبيد الله بن عمر وأخرجه مسلم والنسائي من رواية الليث بن سعد ، وأخرجه الترمذي والنسائي من رواية أيوب السختياني عن سعيد بن جبير عن ابن عمر .

(الثانية) (حبل الحبلة) بفتح الحاء والباء فيهما قال القاضي عياض ورواه بعضهم بإسكان الباء في الأول وهو قوله (حبل) وهو غلط والصواب الفتح قال أهل اللغة الحبلة هنا جمع حابل [ ص: 59 ] كظالم وظلمة وفاجر وفجرة وكاتب وكتبة قال الأخفش يقال: حبلت المرأة فهي حابل والجمع نسوة حبلة قال أبو عبيد : وإنما دخلت عليه التاء للإشعار بالأنوثة فيه وقال ابن الأنباري وغيره: الهاء فيه للمبالغة وجوز والدي - رحمه الله - في شرح الترمذي أن تكون الحبلة جمع حابلة فإن صاحب المحكم حكى أنه يقال نادرا امرأة حابلة من نسوة حبلة قال النووي في شرح مسلم واتفق أهل اللغة على أن الحبل مختص بالآدميات ويقال في غيرهن الحمل يقال: حملت المرأة ولدا وحبلت بولد وحملت الشاة سخلة ولا يقال حبلت. قال أبو عبيد : لا يقال لشيء من الحيوان حبلى إلا ما جاء في هذا الحديث انتهى. وفيما حكاه من الاتفاق نظر فقد جعل صاحب المحكم هذا قولا وحكى معه غيره. فقال: وقد اختلف في هذه الصفة أعامة للإناث أم خاصة لبعضهن فقيل لا يقال لشيء من الحيوان حبلى إلا في هذا الحديث، وقيل كل ذات ظفر حبلى قال أو ذيحة: حبلى محج مقرب.

(الثالثة) فسر في الحديث البيع المنهي عنه بأن يبيع شيئا إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها ، هكذا في رواية مالك وفي رواية عبيد الله بن عمر عند الشيخين كان الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة ؛ وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فاعتبر في هذه الرواية حمل الثانية دون نتاجها وهو الذي ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في التنبيه فقال وهو أن يبيع بثمن إلى أن تحمل هذه الناقة وتلد ويحمل ولدها قال ابن عبد البر قد جاء تفسير هذا الحديث كما ترى في سياقته، وإن لم يكن تفسيره مرفوعا فهذا من قول ابن عمرو حسبك به انتهى.

وبهذا التفسير أخذ مالك والشافعي وهو محكي عن سعيد بن المسيب فهذا (أحد الأقوال) في تفسيره وهو أصحها ؛ لموافقة الحديث.

(القول الثاني) أنه بيع نتاج النتاج وهو الذي فسره به أبو عبيدة معمر بن المثنى ، وأبو عبيد القاسم بن سلام وابن علية وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وابن حبيب من المالكية والترمذي في جامعه ، وأبو بكر بن الأنباري والجوهري في الصحاح وقال النووي في شرح مسلم : وهذا أقرب إلى اللغة لكن الراوي هو ابن عمر - رضي الله عنهما - وقد فسره بالتفسير الأول وهو أعرف، ومذهب الشافعي ومحققي الأصوليين [ ص: 60 ] أن تفسير الراوي مقدم إذا لم يخالف الظاهر انتهى.

(القول الثالث) أنه بيع ما في بطون الأنعام صدر به صاحب المحكم كلامه فقال هو أن يباع ما في بطن الناقة قال والدي - رحمه الله - في شرح الترمذي : وهذا ضعيف إنما هذا بيع المضامين كما فسره به سعيد بن المسيب وفرق بينه وبين حبل الحبلة كما رواه مالك في الموطإ عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا ربا في الحيوان، وإنما نهى من الحيوان عن ثلاث عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة فالمضامين ما في بطون إناث الإبل والملاقيح ما في ظهور الجمال وحبل الحبلة بيع كان أهل الجاهلية يتبايعونه كان الرجل منهم يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم ينتج الذي في بطنها. (قلت) المشهور في الملاقيح والمضامين عكس ما فسره به سعيد بن المسيب فالملاقيح ما في البطون والمضامين ما في الظهور.

(القول الرابع) أن الحبلة هنا شجرة العنب، وأن المراد به بيع العنب قبل أن يبدو صلاحه حكاه صاحب المحكم أيضا فقال وقيل معنى حبل الحبلة حمل الكرمة قبل أن تبلغ وجعل حملها قبل أن تبلغ حبلا وهذا كما نهى عن بيع تمر النخل قبل أن يزهى. انتهى.

وهذان القولان الأخيران غريبان.

(الرابعة) البيع المذكور بالتفاسير الثلاثة الأولى متفق على بطلانه.

(أما الأول) فلأنه بيع بثمن إلى أجل مجهول والأجل يأخذ قسطا من الثمن.

(وأما الثاني) فلأنه بيع معدوم ومجهول وغير مملوك للبائع وغير مقدور على تسليمه.

(وأما الثالث) فلبعض هذه المعاني.

(وأما الرابع) فإن فيه تفصيلا سيأتي بيانه في حديث النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها.

(الخامسة) الجزور البعير ذكرا كان أو أنثى إلا أن اللفظة مؤنثة تقول هذه الجزور، وإن أردت ذكرا والجمع جزر وجزائر ثم يحتمل أن يكون ذكر الجزور في تفسير الحديث قيدا فيما كان يفعله أهل الجاهلية فلم يكونوا يتبايعون هذا البيع إلا في الجزر خاصة ويحتمل أنه مثال، وأنهم كانوا يفعلون ذلك في غيرها أيضا. .

وقوله (تنتج) بضم التاء الأولى، وإسكان النون وفتح التاء الثانية وبالجيم أي تلد والناقة فاعل وهذا الفعل مع إسناده للفاعل على صيغة المسند للمفعول هكذا صيغته في لغة العرب .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث