الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها "

[ ص: 175 ] القول في تأويل قوله عز ذكره ( وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ( 22 ) )

قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله عز ذكره عن قول قوم موسى لموسى ، جوابا لقوله لهم : " ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم " ، فقالوا : " إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها " ، يعنون : [ حتى يخرج ] من الأرض المقدسة الجبارون الذين فيها ، جبنا منهم ، وجزعا من قتالهم . وقالوا له : إن يخرج منها هؤلاء الجبارون دخلناها ، وإلا فإنا لا نطيق دخولها وهم فيها ، لأنه لا طاقة لنا بهم ولا يدان .

11663 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، أن كالب بن يافنا ، أسكت الشعب عن موسى صلى الله عليه وسلم فقال لهم : إنا سنعلو الأرض ونرثها ، وإن لنا بهم قوة! وأما الذين كانوا معه فقالوا : لا نستطيع أن نصل إلى ذلك الشعب ، من أجل أنهم أجرأ منا! ثم إن أولئك الجواسيس أخبروا بني إسرائيل الخبر ، وقالوا : إنا مررنا في أرض وحسسناها ، فإذا هي تأكل ساكنها ، ورأينا رجالها جساما ، ورأينا الجبابرة بني الجبابرة ، وكنا في أعينهم مثل الجراد! فأرجفت الجماعة من بني إسرائيل ، فرفعوا أصواتهم بالبكاء . فبكى الشعب تلك الليلة ، ووسوسوا على موسى وهارون ، فقالوا لهما : يا ليتنا متنا في أرض مصر ! وليتنا نموت في هذه البرية ، ولم يدخلنا الله هذه الأرض لنقع في الحرب ، فتكون نساؤنا وأبناؤنا وأثقالنا غنيمة! ولو كنا قعودا في أرض مصر ، كان خيرا لنا وجعل الرجل يقول لأصحابه : تعالوا نجعل علينا رأسا وننصرف إلى مصر . [ ص: 176 ]

القول في تأويل قوله جل ثناؤه ( قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما )

قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله عز ذكره عن الرجلين الصالحين من قوم موسى : " يوشع بن نون " و" كالب بن يافنا " ، أنهما وفيا لموسى بما عهد إليهما من ترك إعلام قومه بني إسرائيل الذين أمرهم بدخول الأرض المقدسة على الجبابرة من الكنعانيين بما رأيا وعاينا من شدة بطش الجبابرة وعظم خلقهم ، ووصفهما الله عز وجل بأنهما ممن يخاف الله ويراقبه في أمره ونهيه ، كما : -

11664 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا سفيان ح ، وحدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي ، عن سفيان ح ، وحدثنا هناد قال : حدثنا وكيع ، عن سفيان عن منصور ، عن مجاهد : "قال : رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما" ، قال : كلاب بن يافنا ، ويوشع بن نون .

11665 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا حكام ، عن عمرو بن أبي قيس ، عن منصور ، عن مجاهد قال : " رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما " ، قال : يوشع بن نون ، وكلاب بن يافنا ، وهما من النقباء .

11666 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قصة ذكرها ، قال : فرجع النقباء كلهم ينهى سبطه عن قتالهم ، إلا يوشع بن نون ، وكلاب بن يافنة ، يأمران الأسباط بقتال الجبارين ومجاهدتهم ، فعصوهما ، وأطاعوا الآخرين ، فهما الرجلان اللذان أنعم الله عليهما . [ ص: 177 ]

11667 - حدثنا ابن حميد وسفيان بن وكيع قالا : حدثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، مثل حديث ابن بشار ، عن ابن مهدي إلا أن ابن حميد قال في حديثه : هما من الاثني عشر نقيبا .

11668 - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال : حدثنا إبراهيم بن بشار قال : حدثنا سفيان قال : قال أبو سعيد ، قال عكرمة ، عن ابن عباس في قصة ذكرها . قال : فرجعوا يعني النقباء الاثني عشر إلى موسى ، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم ، فقال لهم موسى : اكتموا شأنهم ، ولا تخبروا به أحدا من أهل العسكر ، فإنكم إن أخبرتموهم بهذا الخبر فشلوا ولم يدخلوا المدينة . قال : فذهب كل رجل منهم فأخبر قريبه وابن عمه ، إلا هذين الرجلين يوشع بن نون ، وكلاب بن يوفنة فإنهما كتما ولم يخبرا به أحدا ، وهما اللذان قال الله عز وجل : " قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما " ، إلى قوله : " وبين القوم الفاسقين " .

11669 - حدثني موسى بن هارون قال : حدثنا عمرو بن حماد قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : "قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما" ، وهما اللذان كتماهم : يوشع بن نون فتى موسى ، وكالوب بن يوفنة ختن موسى .

11670 - حدثنا سفيان قال : حدثنا عبيد الله ، عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية : "قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما" ، كالوب ، ويوشع بن النون فتى موسى .

11671 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي [ ص: 178 ] قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : "قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما" ، والرجلان اللذان أنعم الله عليهما من بني إسرائيل : يوشع بن النون ، وكالوب بن يوفنة .

11672 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : " قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما " ذكر لنا أن الرجلين : يوشع بن نون وكالب .

11673 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : أن موسى قال للنقباء لما رجعوا فحدثوه العجب : "لا تحدثوا أحدا بما رأيتم ، إن الله سيفتحها لكم ويظهركم عليها من بعد ما رأيتم" وإن القوم أفشوا الحديث في بني إسرائيل ، فقام رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ، كان أحدهما فيما سمعنا يوشع بن نون وهو فتى موسى ، والآخر كالب - فقالا : "ادخلوا عليهم الباب" إلى"إن كنتم مؤمنين" .

قال أبو جعفر : واختلفت القرأة في قراءة قوله : " قال رجلان من الذين يخافون " .

قرأ ذلك قرأة الحجاز والعراق والشام : ( قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ) بفتح "الياء" من "يخافون" ، على التأويل الذي ذكرنا عمن ذكرنا عنه آنفا ، أنهما يوشع بن نون وكالب ، من قوم موسى ، ممن يخاف الله ، وأنعم عليهما بالتوفيق . [ ص: 179 ]

وكان قتادة يقول : في بعض القراءة : ( قال رجلان من الذين يخافون الله أنعم الله عليهما ) .

11674 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ح ، وحدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : " قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما " ، في بعض الحروف : ( يخافون الله أنعم الله عليهما ) .

وهذا أيضا مما يدل على صحة تأويل من تأول ذلك على ما ذكرنا عنه أنه قال : يوشع ، وكالب .

وروي عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ ذلك : ( قال رجلان من الذين يخافون ) بضم الياء ( أنعم الله عليهما ) .

11675 - حدثني بذلك أحمد بن يوسف قال : حدثنا القاسم بن سلام قال : حدثنا هشيم ، عن القاسم بن أبي أيوب ولا نعلمه أنه سمع منه عن سعيد بن جبير : أنه كان يقرؤها بضم الياء من : ( يخافون ) .

وكأن سعيدا ذهب في قراءته هذه إلى أن الرجلين اللذين أخبر الله عنهما أنهما قالا لبني إسرائيل : " ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون " ، كانا من رهط الجبابرة ، وكانا أسلما واتبعا موسى ، فهما من أولاد الجبابرة الذين يخافهم بنو إسرائيل ، وإن كانوا لهم في الدين مخالفين .

وقد حكي نحو هذا التأويل عن ابن عباس . [ ص: 180 ]

11676 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الله قال : حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : " ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين " ، قال : هي مدينة الجبارين . لما نزل بها موسى وقومه ، بعث منهم اثني عشر رجلا وهم النقباء الذين ذكر بعثتهم ليأتوه بخبرهم . فساروا ، فلقيهم رجل من الجبارين ، فجعلهم في كسائه ، فحملهم حتى أتى بهم المدينة ، ونادى في قومه فاجتمعوا إليه ، فقالوا : من أنتم؟ فقالوا : نحن قوم موسى ، بعثنا إليكم لنأتيه بخبركم! فأعطوهم حبة من عنب بوقر الرجل ، فقالوا لهم : اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم : اقدروا قدر فاكهتهم! فلما أتوهم قالوا لموسى : " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون "!"قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما" ، وكانا من أهل المدينة أسلما واتبعا موسى وهارون ، فقالا لموسى : " ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين " .

قال أبو جعفر : فعلى هذه القراءة وهذا التأويل ، لم يكتم من الاثني عشر نقيبا أحد ما أمرهم موسى بكتمانه بني إسرائيل مما رأوا وعاينوا من عظم أجسام الجبابرة ، وشدة بطشهم ، وعجيب أمورهم ، بل أفشوا ذلك كله . وإنما القائل للقوم ولموسى : "ادخلوا عليهم الباب" ، رجلان من أولاد الذين كان بنو إسرائيل يخافونهم ويرهبون الدخول عليهم من الجبابرة ، كانا أسلما وتبعا نبي الله صلى الله عليه وسلم .

قال أبو جعفر : وأولى القراءتين بالصواب عندنا قراءة من قرأ : [ ص: 181 ] ( من الذين يخافون أنعم الله عليهما ) لإجماع قرأة الأمصار عليها وأن ما استفاضت به القراءة عنهم ، فحجة لا يجوز خلافها ، وما انفرد به الواحد ، فجائز فيه الخطأ والسهو . ثم في إجماع الحجة في تأويلها على أنهما رجلان من أصحاب موسى من بني إسرائيل وأنهما يوشع وكلاب ، ما أغنى عن الاستشهاد على صحة القراءة بفتح "الياء" في ذلك ، وفساد غيره . وهو التأويل الصحيح عندنا ، لما ذكرنا من إجماعها عليه .

وأما قوله : "أنعم الله عليهما" ، فإنه يعني : أنعم الله عليهم بطاعة الله في طاعة نبيه موسى صلى الله عليه ، وانتهائهم إلى أمره ، والانزجار عما زجرهما عنه صلى الله عليه وسلم ، من إفشاء ما عاينا من عجيب أمر الجبارين إلى بني إسرائيل ، الذي حدث عنه أصحابهما الآخرون الذين كانوا معهما من النقباء .

وقد قيل إن معنى ذلك : أنعم الله عليهما بالخوف .

ذكر من قال ذلك :

11677 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثنا خلف بن تميم قال : حدثنا إسحاق بن القاسم ، عن سهل بن علي قوله : " قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما " ، قال : أنعم الله عليهما بالخوف . [ ص: 182 ]

وبنحو الذي قلنا في ذلك كان الضحاك يقول ، وجماعة غيره .

11678 - حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ قال : حدثني عبيد بن سليمان قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : " قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما " ، بالهدى فهداهما ، فكانا على دين موسى ، وكانا في مدينة الجبارين .

القول في تأويل قوله جل ثناؤه ( ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون )

قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله عز ذكره عن قول الرجلين اللذين يخافان الله لبني إسرائيل ، إذ جبنوا وخافوا من الدخول على الجبارين ، لما سمعوا خبرهم ، وأخبرهم النقباء الذين أفشوا ما عاينوا من أمرهم فيهم ، وقالوا : " إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها " ، فقالا لهم : ادخلوا عليهم ، أيها القوم باب مدينتهم ، فإن الله معكم ، وهو ناصركم ، وإنكم إذا دخلتم الباب غلبتموهم ، كما : -

11679 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول ، قال : لما هم بنو إسرائيل بالانصراف إلى مصر ، حين أخبرهم النقباء بما أخبروهم من أمر الجبابرة ، خر موسى وهارون على وجوههما سجودا قدام جماعة بني إسرائيل ، وخرق يوشع بن نون وكالب بن يافنا ثيابهما ، وكانا من جواسيس الأرض ، وقالا لجماعة بني إسرائيل : "إن الأرض مررنا بها وحسسناها صالحة ، رضيها ربنا لنا فوهبها لنا ، وإنها . . تفيض لبنا وعسلا ولكن افعلوا واحدة : [ ص: 183 ] لا تعصوا الله ، ولا تخشوا الشعب الذين بها ، فإنهم خبزنا ، ومدفعون في أيدينا ، إن كبرياءهم ذهبت منهم ، وإن الله معنا فلا تخشوهم . فأراد جماعة من بني إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة .

11680 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : ذكر لنا أنهم بعثوا اثني عشر رجلا من كل سبط رجلا عيونا لهم ، وليأتوهم بأخبار القوم . فأما عشرة فجبنوا قومهم وكرهوا إليهم الدخول عليهم . وأما الرجلان فأمرا قومهما أن يدخلوها ، وأن يتبعوا أمر الله ، ورغبا في ذلك ، وأخبرا قومهما أنهم غالبون إذا فعلوا ذلك .

11681 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : "عليهم الباب" ، قرية الجبارين . [ ص: 184 ]

القول في تأويل قوله جل ثناؤه ( وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ( 23 ) )

قال أبو جعفر : وهذا أيضا خبر من الله جل وعز عن قول الرجلين اللذين يخافان الله ، أنهما قالا لقوم موسى يشجعانهم بذلك ، ويرغبانهم في المضي لأمر الله بالدخول على الجبارين في مدينتهم توكلوا أيها القوم ، على الله في دخولكم عليهم ، فيقولان لهم : ثقوا بالله ، فإنه معكم إن أطعتموه فيما أمركم من جهاد عدوكم . وعنيا بقولهما : "إن كنتم مؤمنين" إن كنتم مصدقي نبيكم صلى الله عليه وسلم فيما أنبأكم عن ربكم من النصرة والظفر عليهم ، وفي غير ذلك من إخباره عن ربه ومؤمنين بأن ربكم قادر على الوفاء لكم بما وعدكم من تمكينكم في بلاد عدوه وعدوكم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث