الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر "

القول في تأويل قوله عز ذكره ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم )

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية .

فقال بعضهم : نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر ، بقوله لبني قريظة حين حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم : "إنما هو الذبح ، فلا تنزلوا على حكم سعد " .

[ ص: 302 ] ذكر من قال ذلك :

11918 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم " ، قال : نزلت في رجل من الأنصار زعموا أنه أبو لبابة أشارت إليه بنو قريظة يوم الحصار ، ما الأمر؟ وعلام ننزل ؟ فأشار إليهم أنه الذبح .

وقال آخرون : بل نزلت في رجل من اليهود سأل رجلا من المسلمين يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حكمه في قتيل قتله .

ذكر من قال ذلك :

11919 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا محمد بن بشر ، عن زكريا ، عن عامر : " لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر " ، قال : كان رجل من اليهود قتله رجل من أهل دينه ، فقال القاتل لحلفائهم من المسلمين : سلوا لي محمدا صلى الله عليه وسلم ، فإن بعث بالدية اختصمنا إليه ، وإن كان يأمرنا بالقتل لم نأته . 11920 - حدثنا المثنى قال : حدثنا عمرو بن عون قال : أخبرنا هشيم ، عن زكريا ، عن عامر ، نحوه . [ ص: 303 ]

وقال آخرون : بل نزلت في عبد الله بن صوريا ، وذلك أنه ارتد بعد إسلامه .

ذكر من قال ذلك :

11921 - حدثنا هناد وأبو كريب قالا : حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق قال : حدثني الزهري قال : سمعت رجلا من مزينة يحدث ، عن سعيد بن المسيب : أن أبا هريرة حدثهم : أن أحبار يهود اجتمعوا في بيت المدراس حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وقد زنى رجل منهم بعد إحصانه بامرأة من يهود قد أحصنت ، فقالوا ، انطلقوا بهذا الرجل وبهذه المرأة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فاسألوه كيف الحكم فيهما ، وولوه الحكم عليهما ، فإن عمل فيهما بعملكم من التجبيه وهو الجلد بحبل من ليف مطلي بقار ، ثم تسود وجوههما ، ثم يحملان على حمارين ، وتحول وجوههما من قبل دبر الحمار فاتبعوه ، فإنما هو ملك . وإن هو حكم فيهما بالرجم ، فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكموه . فأتوه فقالوا : يا محمد ، هذا الرجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت ، فاحكم فيهما ، فقد وليناك الحكم فيهما . فمشى رسول الله صلى الله عليه [ ص: 304 ] وسلم حتى أتى أحبارهم إلى بيت المدراس ، فقال : " يا معشر اليهود ، أخرجوا إلي أعلمكم ! " فأخرجوا إليه عبد الله بن صوريا الأعور وقد روى بعض بني قريظة ، أنهم أخرجوا إليه يومئذ مع ابن صوريا ، أبا ياسر بن أخطب ، ووهب بن يهوذا ، فقالوا : هؤلاء علماؤنا ! فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حصل أمرهم ، إلى أن قالوا لابن صوريا : هذا أعلم من بقي بالتوراة فخلا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان غلاما شابا من أحدثهم سنا ، فألظ به رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة ، يقول : يا ابن صوريا ، أنشدك الله وأذكرك أياديه عند بني إسرائيل ، هل تعلم أن الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة؟ فقال : اللهم نعم! أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعلمون أنك نبي مرسل ، ولكنهم يحسدونك! فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر بهما فرجما عند باب مسجده ، في بني غنم بن مالك بن النجار . ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا ، فأنزل الله جل وعز : " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم " .

11922 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، ح ، وحدثنا هناد قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ح ، وحدثنا هناد قال : حدثنا عبيدة بن حميد عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن البراء بن عازب قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمم مجلود ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من علمائهم [ ص: 305 ] فقال : أهكذا تجدون حد الزاني فيكم؟ قال : نعم ! قال : فأنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى ، أهكذا تجدون حد الزنى فيكم؟ قال : لا ، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أحدثك ، ولكن الرجم ، ولكن كثر الزنا في أشرافنا ، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، فقلنا : " تعالوا نجتمع فنضع شيئا مكان الرجم ، فيكون على الشريف والوضيع " ، فوضعنا التحميم والجلد مكان الرجم ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أنا أول من أحيي أمرك إذ أماتوه ! فأمر به فرجم ، فأنزل الله : " لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر " الآية .

11923 - حدثني المثنى قال : حدثنا سويد بن نصر قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن الزهري قال : كنت جالسا عند سعيد بن المسيب ، وعند سعيد رجل يوقره ، فإذا هو رجل من مزينة كان أبوه شهد الحديبية ، وكان من أصحاب أبي هريرة قال : قال أبو هريرة : كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم

11924 - ح ، وحدثني المثنى قال : حدثنا أبو صالح كاتب الليث قال : حدثني الليث قال : حدثني عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني رجل من مزينة [ ص: 306 ] ممن يتبع العلم ويعيه ، حدث عن سعيد بن المسيب ، أن أبا هريرة قال : بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من اليهود ، وكانوا قد تشاوروا في صاحب لهم زنى بعد ما أحصن ، فقال بعضهم لبعض : إن هذا النبي قد بعث ، وقد علمتم أن قد فرض عليكم الرجم في التوراة فكتمتموه ، واصطلحتم بينكم على عقوبة دونه ، فانطلقوا نسأل هذا النبي ، فإن أفتانا بما فرض علينا في التوراة من الرجم ، تركنا ذلك ، فقد تركنا ذلك في التوراة ، فهي أحق أن تطاع وتصدق ! فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا أبا القاسم إنه زنى صاحب لنا قد أحصن ، فما ترى عليه من العقوبة؟ قال أبو هريرة : فلم يرجع إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قام وقمنا معه ، فانطلق يؤم مدراس اليهود حتى أتاهم فوجدهم يتدارسون التوراة في بيت المدراس ، فقال لهم : يا معشر اليهود ، أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ، ماذا تجدون في التوراة من العقوبة على من زنى وقد أحصن ؟ قالوا : إنا نجده يحمم ويجلد! وسكت حبرهم في جانب البيت ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صمته ، ألظ ينشده ، فقال حبرهم : اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد عليهم الرجم ! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : فماذا كان أول ما ترخصتم به أمر الله"؟ قال : زنى ابن عم ملك فلم يرجمه ، ثم زنى رجل آخر في أسرة من الناس ، فأراد ذلك الملك رجمه ، فقام دونه قومه فقالوا : والله لا ترجمه حتى ترجم فلانا ابن عم الملك! فاصطلحوا بينهم عقوبة دون الرجم وتركوا الرجم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإني أقضي بما في التوراة! فأنزل الله في ذلك : " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر " إلى قوله : " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " . [ ص: 307 ]

وقال آخرون : بل عني بذلك المنافقون .

ذكر من قال ذلك :

11925 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير في قوله : " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم " ، قال : هم المنافقون .

11926 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " آمنا بأفواههم " قال يقول : هم المنافقون " سماعون لقوم آخرين " ، قال : هم أيضا سماعون لليهود . [ ص: 308 ]

قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب ، أن يقال : عني بقوله : " لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم " ، قوم من المنافقين . وجائز أن يكون كان ممن دخل في هذه الآية ابن صوريا ، وجائز أن يكون أبو لبابة وجائز أن يكون غيرهما ، غير أن أثبت شيء روي في ذلك ، ما ذكرناه من الرواية قبل عن أبي هريرة والبراء بن عازب ، لأن ذلك عن رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وإذا كان ذلك كذلك ، كان الصحيح من القول فيه أن يقال : عني به عبد الله بن صوريا .

وإذا صح ذلك ، كان تأويل الآية : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في جحود نبوتك ، والتكذيب بأنك لي نبي ، من الذين قالوا : "صدقنا بك يا محمد أنك لله رسول مبعوث ، وعلمنا بذلك يقينا ، بوجودنا صفتك في كتابنا" .

وذلك أن في حديث أبي هريرة الذي رواه ابن إسحاق عن الزهري : أن ابن صوريا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما والله يا أبا القاسم ، إنهم ليعلمون أنك نبي مرسل ، ولكنهم يحسدونك" . فذلك كان على هذا الخبر من ابن صوريا إيمانا برسول الله صلى الله عليه وسلم بفيه ، ولم يكن مصدقا لذلك بقلبه . فقال الله جل وعز لنبيهمحمد صلى الله عليه وسلم ، مطلعه على ضمير ابن صوريا وأنه لم يؤمن بقلبه ، يقول : ولم يصدق قلبه بأنك لله رسول مرسل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث