الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " يحرفون الكلم من بعد مواضعه "

[ ص: 313 ] القول في تأويل قوله عز وجل ( يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : يحرف هؤلاء السماعون للكذب ، السماعون لقوم آخرين منهم لم يأتوك بعد من اليهود"الكلم " . وكان تحريفهم ذلك ، تغييرهم حكم الله تعالى ذكره الذي أنزله في التوراة في المحصنات والمحصنين من الزناة بالرجم إلى الجلد والتحميم . فقال تعالى ذكره : "يحرفون الكلم " ، يعني : هؤلاء اليهود ، والمعني حكم الكلم ، فاكتفى بذكر الخبر من "تحريف الكلم " عن ذكر"الحكم " ، لمعرفة السامعين لمعناه . وكذلك قوله : "من بعد مواضعه " ، والمعنى : من بعد وضع الله ذلك مواضعه ، فاكتفى بالخبر من ذكر"مواضعه " ، عن ذكر"وضع ذلك " ، كما قال تعالى ذكره : ( ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ) [ سورة البقرة : 177 ] ، والمعنى : ولكن البر بر من آمن بالله واليوم الآخر .

وقد يحتمل أن يكون معناه : يحرفون الكلم عن مواضعه فتكون"بعد " وضعت موضع"عن " ، كما يقال : "جئتك عن فراغي من الشغل " ، يريد : بعد فراغي من الشغل .

ويعني بقوله : " إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا " ، يقول هؤلاء الباغون السماعون للكذب : إن أفتاكم محمد بالجلد والتحميم في صاحبنا"فخذوه " ، يقول : فاقبلوه منه ، وإن لم يفتكم بذلك وأفتاكم بالرجم ، فاحذروا .

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل . [ ص: 314 ]

ذكر من قال ذلك :

11931 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق قال ، حدثني الزهري قال : سمعت رجلا من مزينة يحدث سعيد بن المسيب : أن أبا هريرة حدثهم في قصة ذكرها " ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك " ، قال : [ أي الذين بعثوا منهم من بعثوا وتخلفوا ، وأمروهم بما أمروهم به من تحريف الكلم عن مواضعه ، فقال : " يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه " ، للتجبيه " وإن لم تؤتوه فاحذروا " ، أي الرجم .

11932 - حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : " إن أوتيتم هذا " ، إن وافقكم هذا فخذوه . يهود تقوله للمنافقين .

11933 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، " إن أوتيتم هذا فخذوه " ، إن وافقكم هذا فخذوه ، وإن لم يوافقكم فاحذروه . يهود تقوله للمنافقين .

11934 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " يحرفون الكلم من بعد مواضعه " ، حين حرفوا الرجم فجعلوه جلدا " يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا " .

11935 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن الزبير ، عن ابن عيينة قال ، حدثنا زكريا ومجالد ، عن الشعبي ، عن جابر : " يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه " ، يهود فدك ، يقولون ليهود [ ص: 315 ] المدينة : إن أوتيتم هذا الجلد فخذوه ، وإن لم تؤتوه فاحذروا الرجم .

11936 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا " ، هم اليهود ، زنت منهم امرأة ، وكان الله قد حكم في التوراة في الزنا بالرجم ، فنفسوا أن يرجموها ، وقالوا : انطلقوا إلى محمد ، فعسى أن يكون عنده رخصة ، فإن كانت عنده رخصة فاقبلوها! فأتوه ، فقالوا : يا أبا القاسم ، إن امرأة منا زنت ، فما تقول فيها؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : كيف حكم الله في التوراة في الزاني؟ فقالوا : دعنا من التوراة ، ولكن ما عندك في ذلك؟ فقال : ائتوني بأعلمكم بالتوراة التي أنزلت على موسى ! فقال لهم : بالذي نجاكم من آل فرعون ، وبالذي فلق لكم البحر فأنجاكم وأغرق آل فرعون ، إلا أخبرتموني ما حكم الله في التوراة في الزاني؟! قالوا : حكمه الرجم! فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت .

11937 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا " ، ذكر لنا أن هذا كان في قتيل من بني قريظة ، قتلته النضير . فكانت النضير إذا قتلت من بني قريظة لم يقيدوهم ، إنما يعطونهم الدية لفضلهم عليهم . وكانت قريظة إذا قتلت من النضير قتيلا لم يرضوا إلا بالقود لفضلهم عليهم في أنفسهم تعززا . فقدم نبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة على تفئة قتيلهم هذا ، فأرادوا أن يرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . [ ص: 316 ] فقال لهم رجل من المنافقين : إن قتيلكم هذا قتيل عمد ، متى ما ترفعونه إلى محمد صلى الله عليه وسلم أخشى عليكم القود ، فإن قبل منكم الدية فخذوه ، وإلا فكونوا منه على حذر!

11938 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " يحرفون الكلم من بعد مواضعه " ، يقول : يحرف هؤلاء الذين لم يأتوك الكلم عن مواضعه ، لا يضعونه على ما أنزله الله . قال : وهؤلاء كلهم يهود ، بعضهم من بعض .

11939 - حدثنا هناد قال ، حدثنا أبو معاوية وعبيدة بن حميد ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن البراء بن عازب : " يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا " ، يقولون : ائتوا محمدا ، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث