الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الفصل الثالث : حكم تحقيق القول في إكفار المتأولين

في تحقيق القول في إكفار المتأولين .

قد ذكرنا مذاهب السلف في إكفار أهل البدع والأهواء المتأولين ممن قال قولا يؤديه مساقه إلى كفر هو إذا وقف عليه لا يقول بما يؤديه قوله إليه .

وعلى اختلافهم اختلف الفقهاء والمتكلمون في ذلك ، فمنهم من صوب التكفير الذي قال به الجمهور من السلف ، ومنهم من أباه ولم ير إخراجهم من سواد المؤمنين ، وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين ، وقالوا : هم فساق عصاة ضلال ، ونورثهم من المسلمين ، ونحكم لهم بأحكامهم ، ولهذا قال سحنون : لا إعادة على من صلى خلفهم ، قال : وهو قول جميع أصحاب مالك ، المغيرة وابن كنانة وأشهب ، قال : لأنه مسلم ، وذنبه لم يخرجه من الإسلام .

واضطرب آخرون في ذلك ، ووقفوا على القول بالتكفير أو ضده . واختلاف قولي مالك في ذلك ، وتوقفه عن إعادة الصلاة خلفهم منه ، وإلى نحو من هذا ذهب القاضي أبو بكر إمام أهل التحقيق ، والحق ، وقال : إنها من المعوصات ، إذا القوم لم يصرحوا بالكفر ، وإنما قالوا قولا يؤدي إليه .

واضطرب قوله في المسألة على نحو اضطراب قول إمامه مالك بن أنس حتى قال في بعض كلامه : إنهم على رأي من كفرهم بالتأويل لا تحل مناكحتهم ، ولا أكل ذبائحهم ، ولا الصلاة على ميتهم .

ويختلف في موارثتهم على الخلاف في [ ص: 583 ] ميراث المرتد .

وقال أيضا : نورث ميتهم ورثتهم من المسلمين ، ولا نورثهم من المسلمين ، وأكثر ميله إلى ترك التكفير بالمآل ، وكذلك اضطرب فيه قول شيخه أبي الحسن الأشعري ، وأكثر قوله ترك التكفير ، وأن الكفر خصلة واحدة ، وهو الجهل بوجود الباري - تعالى - .

وقال مرة : من اعتقد أن الله جسم أو المسيح أو بعض من يلقاه في الطرق ، فليس بعارف به ، وهو كافر .

ولمثل هذا ذهب أبو المعالي - رحمه الله - في أجوبته لأبي محمد عبد الحق ، وكان سأله عن المسألة ، واعتذر له بأن الغلط فيها يصعب ، لأن إدخال كافر في الملة ، أو إخراج مسلم عنها عظيم في الدين .

وقال غيرهما من المحققين : الذي يجب الاحتراز من التكفير في أهل التأويل ، فإن استباحة دماء المصلين الموحدين خطأ ، والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم واحد .

وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : فإذا قالوها يعني الشهادة عصموا مني دماءهم ، وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله .

فالعصمة مقطوع بها مع الشهادة ، ولا ترتفع ويستباح خلافها إلا بقاطع ، ولا قاطع من شرع ولا قياس عليه . وألفاظ الأحاديث الواردة في الباب معرضة للتأويل ، فما جاء منها في التصريح بكفر القدرية ، وقوله : لا سهم لهم في الإسلام ، وتسميته الرافضة بالشرك ، وإطلاق اللعنة عليهم ، وكذلك في الخوارج وغيرهم من أهل الأهواء ، فقد يحتج بها من يقول بالتكفير ، وقد يجيب الآخر عنها بأنه قد ورد في الحديث مثل هذه الألفاظ في غير الكفرة على طريق التغليط ، وكفر دون كفر ، وإشراك دون إشراك .

وقد ورد مثله في الرياء وعقوق الوالدين والزوج والزور وغير معصية .

وإذا كان محتملا للأمرين فلا يقطع على أحدهما إلا بدليل قاطع .

وقوله في الخوارج : هم من شر البرية ، وهذه صفة الكفار .

وقال : شر قبيل تحت أديم السماء ، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه .

وقال : فإذا وجدتموهم فاقتلوهم قتل عاد .

وظاهر هذا الكفر لا سيما مع تشبيههم بعاد ، فيحتج به من يرى تكفيرهم ، فيقول له الآخر : إنما ذلك من قتلهم لخروجهم على المسلمين ، وبغيهم عليهم بدليله من الحديث نفسه : يقتلون أهل الإسلام ، فقتلهم هاهنا حد لا كفر .

وذكر عاد تشبيه للقتل وحله لا للمقتول ، وليس كل من حكم بقتله يحكم بكفره . ويعارضه بقول خالد في الحديث : دعني أضرب عنقه يا رسول الله . فقال : لعله يصلي .

فإن احتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : يقرءون [ ص: 584 ] القرآن لا يجاوز حناجرهم فأخبر أن الإيمان لم يدخل قلوبهم .

وكذلك قوله : يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، ثم لا يعودون إليه حتى يعود السهم على فوقه .

وبقوله : سبق الفرث والدم يدل على أنه لم يتعلق من الإسلام بشيء .

أجابه الآخرون : إن معنى لا يجاوز حناجرهم : لا يفهمون معانيه بقلوبهم ، ولا تنشرح له صدورهم ، ولا تعمل به جوارحهم ، وعارضوهم بقوله ، ويتمارى في الفوق . وهذا يقتضي التشكك في حاله .

واحتجوا بقول أبي سعيد الخدري في هذا الحديث : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : يخرج في هذه الأمة ، ولم يقل من هذه ، وتحرير أبي سعيد الرواية ، وإتقانه اللفظ .

أجابهم الآخرون بأن العبارة : بفي لا تقتضي تصريحا بكونهم من غير الأمة ، بخلاف لفظة من التي هي للتبعيض . وكونهم من الأمة مع أنه قد روي عن أبي ذر وعلي وأبي أمامة ، وغيرهم في هذا الحديث : يخرج من أمتي ، وسيكون من أمتي ، وحروف المعاني مشتركة ، فلا تعويل على إخراجهم من الأمة بـ [ في ] ، ولا على إدخالهم فيها بـ [ من ] ، لكن أبا سعيد - رضي الله عنه - أجاد ما شاء في التنبيه الذي نبه عليه . وهذا مما يدل على سعة فقه الصحابة ، وتحقيقهم للمعاني ، واستنباطها من الألفاظ ، وتحريرهم لها ، وتوقيهم في الرواية ، هذه المذاهب المعروفة لأهل السنة .

ولغيرهم من الفرق فيها مقالات كثيرة مضطربة سخيفة ، أقربها قول جهم ومحمد بن شبيب : إن الكفر بالله الجهل به ، لا يكفر أحد بغير ذلك .

وقال أبو الهذيل : إن كل متأول كان تأويله تشبيها لله بخلقه ، وتجويرا له في فعله وتكذيبا لخبره فهو كافر .

وكل من أثبت شيئا قديما لا يقال له الله فهو كافر .

وقال بعض المتكلمين : إن كان ممن عرف الأصل ، وبنى عليه ، وكان فيما هو من أوصاف الله فهو كافر ، وإن لم يكن من هذا الباب ففاسق ، إلا أن يكون ممن لم يعرف الأصل فهو مخطئ غير كافر .

وذهب عبيد الله بن الحسن العنبري إلى تصويب أقوال المجتهدين في أصول الدين فيما كان عرضة للتأويل ، [ ص: 585 ] وفارق في ذلك فرق الأمة ، إذ أجمعوا سواه على أن الحق في أصول الدين في واحد ، والمخطئ فيه آثم عاص فاسق . وإنما الخلاف في تكفيره .

وقد حكى القاضي أبو بكر الباقلاني مثل قول عبيد الله عن داود الأصبهاني .

وقال : وحكى قوم عنهما أنهما قالا ذلك في كل من علم الله سبحانه من حاله استفراغ الوسع في طلب الحق من أهل ملتنا أو من غيرهم .

وقال نحو هذا القول الجاحظ وثمامة ، في أن كثيرا من العامة والنساء والبله ، ومقلدة النصارى واليهود وغيرهم لا حجة لله عليهم ، إذ لم تكن لهم طباع يمكن معها الاستدلال .

وقد نحا الغزالي من هذا المنحى في كتاب التفرقة .

وقائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفر أحدا من النصارى واليهود ، وكل من فارق دين المسلمين أو وقف في تكفيرهم أو شك .

قال القاضي أبو بكر : لأن التوقيف والإجماع على كفرهم ، فمن وقف في ذلك فقد كذب النص والتوقيف أو شك فيه . والتكذيب أو الشك فيه لا يقع إلا من كافر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث