الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " واستعينوا بالصبر والصلاة "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى ( واستعينوا بالصبر والصلاة )

قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : ( واستعينوا بالصبر ) : استعينوا على الوفاء بعهدي الذي عاهدتموني في كتابكم - من طاعتي واتباع أمري ، وترك ما تهوونه [ ص: 11 ] من الرياسة وحب الدنيا إلى ما تكرهونه من التسليم لأمري ، واتباع رسولي محمد صلى الله عليه وسلم - بالصبر عليه والصلاة .

وقد قيل : إن معنى " الصبر " في هذا الموضع : الصوم ، و" الصوم " بعض معاني " الصبر " . وتأويل من تأول ذلك عندنا أن الله تعالى ذكره أمرهم بالصبر على ما كرهته نفوسهم من طاعة الله ، وترك معاصيه . وأصل الصبر : منع النفس محابها ، وكفها عن هواها ; ولذلك قيل للصابر على المصيبة : صابر ، لكفه نفسه عن الجزع ; وقيل لشهر رمضان " شهر الصبر " ، لصبر صائميه عن المطاعم والمشارب نهارا ، وصبره إياهم عن ذلك : حبسه لهم ، وكفه إياهم عنه ، كما تصبر الرجل المسيء للقتل فتحبسه عليه حتى تقتله . ولذلك قيل : قتل فلان فلانا صبرا ، يعني به : حبسه عليه حتى قتله ، فالمقتول " مصبور " ، والقاتل " صابر " .

وأما الصلاة فقد ذكرنا معناها فيما مضى .

فإن قال لنا قائل : قد علمنا معنى الأمر بالاستعانة بالصبر على الوفاء بالعهد والمحافظة على الطاعة ، فما معنى الأمر بالاستعانة بالصلاة على طاعة الله ، وترك معاصيه ، والتعري عن الرياسة ، وترك الدنيا ؟ قيل : إن الصلاة فيها تلاوة كتاب الله ، الداعية آياته إلى رفض الدنيا وهجر [ ص: 12 ] نعيمها ، المسلية النفوس عن زينتها وغرورها ، المذكرة الآخرة وما أعد الله فيها لأهلها . ففي الاعتبار بها المعونة لأهل طاعة الله على الجد فيها ، كما روي عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة .

849 - حدثني بذلك إسماعيل بن موسى الفزاري ، قال : حدثنا الحسين بن رتاق الهمداني ، عن ابن جرير ، عن عكرمة بن عمار ، عن محمد بن عبيد بن أبي قدامة ، عن عبد العزيز بن اليمان ، عن حذيفة قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة " .

850 - وحدثني سليمان بن عبد الجبار ، قال : حدثنا خلف بن الوليد الأزدي ، قال : حدثنا يحيى بن زكريا عن عكرمة بن عمار ، عن محمد بن عبد الله الدؤلي ، قال : قال عبد العزيز أخو حذيفة ، قال حذيفة : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى " .

851 - [ ص: 13 ] وكذلك روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه رأى أبا هريرة منبطحا على بطنه فقال له : " اشكمت درد " ؟ قال : نعم ، قال : قم فصل ; فإن في الصلاة شفاء .

[ ص: 14 ] فأمر الله جل ثناؤه الذين وصف أمرهم من أحبار بني إسرائيل أن يجعلوا مفزعهم في الوفاء بعهد الله الذي عاهدوه إلى الاستعانة بالصبر والصلاة كما أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقال له : ( فاصبر ) يا محمد ( على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى ) [ طه : 130 ] فأمره جل ثناؤه في نوائبه بالفزع إلى الصبر والصلاة . وقد : -

852 - حدثنا محمد بن العلاء ، ويعقوب بن إبراهيم ، قالا حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا عيينة بن عبد الرحمن ، عن أبيه : أن ابن عباس نعي إليه أخوه قثم ، وهو في سفر ، فاسترجع . ثم تنحى عن الطريق ، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس ، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول : ( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ) .

وأما أبو العالية فإنه كان يقول بما : -

853 - حدثني به المثنى قال ، حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) قال يقول : استعينوا [ ص: 15 ] بالصبر والصلاة على مرضاة الله ، واعلموا أنهما من طاعة الله .

وقال ابن جريج بما : -

854 - حدثنا به القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، قال : قال ابن جريج في قوله : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) قال : إنهما معونتان على رحمة الله .

855 - وحدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) الآية ، قال : قال المشركون : والله يا محمد إنك لتدعونا إلى أمر كبير ! قال : إلى الصلاة والإيمان بالله جل ثناؤه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث