الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخروج للقتال وما جاء في ذلك

استطلاع النبي صلى الله عليه وسلم خبر قريش لما شاع خبر قريش ومسيرهم في الناس ، وأرجفت اليهود والمنافقون ، وقدم عمرو بن سالم الخزاعي في نفر قد فارقوا قريشا من ذي طوى ، فأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم الخبر وانصرفوا ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنسا ومؤنسا ابني فضالة الظفريين - ليلة الخميس ليال مضت من شوال - عينين ، فاعترضا لقريش بالعقيق ، وعادا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بخبرهم ، وأنهم قد خلوا إبلهم وخيلهم في الزرع الذي بالعريض ، حتى تركوه ليس به خضر ، وترك المشركون ظاهر المدينة بعينين : جبل ببطن السبحة من قناة على شفير الوادي ، مقابل المدينة - يوم الأربعاء ، فرعت إبلهم آثار الحرث والزرع يوم الخميس ويوم الجمعة ، لم يتركوا خضراء ، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الحباب - بضم المهملة وتخفيف الموحدة - ابن المنذر بن الجموح إليهم أيضا ، فنظر إليهم وعاد وقد حزر عددهم وما معهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تذكر من شأنهم حرفا ، حسبنا الله ونعم الوكيل ، اللهم بك أجول وبك أصول » .

وباتت وجوه الأوس والخزرج ليلة الجمعة عليها السلاح في المسجد بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خوفا من بيات المشركين ، وحرست المدينة حتى أصبحوا . [ رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ]

( قال ) فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين : إني قد رأيت والله خيرا ، رأيت بقرا ، ورأيت في ذباب سيفي ثلما ، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة ، فأولتها المدينة

قال ابن هشام : وحدثني بعض أهل العلم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : رأيت بقرا لي تذبح ؟ قال : فأما البقر فهي ناس من أصحابي يقتلون ، وأما الثلم الذي رأيت في ذباب سيفي ، فهو رجل من أهل بيتي يقتل عن أبي موسى الأشعري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل ، فذهب وهلى إلى أنها اليمامة أو هجر ، فإذا هي المدينة يثرب ، ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفا فانقطع صدره ، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد ، ثم هززته أخرى ، فعاد أحسن ما كان ، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين ، ورأيت فيها أيضا بقرا ، والله خير ، فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد ، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر . عن أنس مرفوعا قال : رأيت فيما يرى النائم كأني مردف كبشا ، وكأن ظبة سيفي انكسرت ، فأولت أني أقتل كبش القوم ، وأولت كسر ظبة سيفي قتل رجل من عترتي . فقتل حمزة ، وقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة وكان صاحب اللواء . مشاورة الرسول القوم في الخروج أو البقاء وكان رجال من المسلمين لم يشهدوا بدرا قد ندموا على ما فاتهم من السابقة ، وتمنوا لقاء العدو ; ليبلوا ما أبلى إخوانهم يوم بدر ، فلما نزل أبو سفيان والمشركون بأصل أحد فرح المسلمون الذين لم يشهدوا بدرا بقدوم العدو عليهم ، وقالوا : قد ساق الله علينا أمنيتنا . ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري ليلة الجمعة رؤيا فأصبح ، فجاءه نفر من أصحابه فقال لهم : رأيت البارحة في منامي بقرا تذبح ، والله خير ، ورأيت سيفي ذا الفقار انقصم من عند ظبته - أو قال : به فلول - فكرهته ، وهما مصيبتان ، ورأيت أني في درع حصينة ، وأني مردف كبشا . فلما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم برؤياه ، قالوا : يا رسول الله ، ماذا أولت رؤياك ؟ قال : أولت البقر الذي رأيت نفرا فينا وفي القوم ، وكرهت ما رأيت بسيفي : ويقول رجال : كان الذي رأى بسيفه ، الذي أصاب وجهه ; فإن العدو أصاب وجهه يومئذ ، وقصموا رباعيته وخرقوا شفته ، يزعمون أن الذي رماه عتبة بن أبي وقاص ، وكان البقر من قتل من المسلمين يومئذ . وقال : أولت الكبش أنه كبش كتيبة العدو يقتله الله ، وأولت الدرع الحصينة المدينة ، فامكثوا واجعلوا الذراري في الآطام ، فإن دخل علينا القوم في الأزقة ، قاتلناهم ورموا من فوق البيوت ، وكانوا قد سكوا أزقة المدينة بالبنيان حتى صارت كالحصن . فقال الذين لم يشهدوا بدرا : كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله ، فقد ساقه الله إلينا وقرب المسير . وقال رجال من الأنصار : متى نقاتلهم يا رسول الله إذا لم نقاتلهم عند شعبنا ؟ وقال رجال : ماذا نمنع إذا لم تمنع الحرث يزرع ؟ وقال رجال : قولا صدقوا به ومضوا عليه ، منهم حمزة بن عبد المطلب ، قال : والذي أنزل عليك الكتاب لنجالدنهم . وقال نعمان بن مالك بن ثعلبة ، وهو أحد بني سالم : يا نبي الله ، لا تحرمنا الجنة ، فوالذي نفسي بيده لأدخلنها . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بم ؟ . قال : بأني أحب الله ورسوله ، ولا أفر يوم الزحف . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : صدقت . واستشهد يومئذ . وأبى كثير من الناس إلا الخروج إلى العدو ، ولم يتناهوا إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيه ، ولو رضوا بالذي أمرهم كان ذلك ، ولكن غلب القضاء والقدر ، وعامة من أشار عليه بالخروج رجال لم يشهدوا بدرا ، قد علموا الذي سبق لأصحاب بدر من الفضيلة ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ، وعظ الناس وذكرهم وأمرهم بالجد والجهاد ، ثم انصرف من خطبته وصلاته ، فدعا بلأمته فلبسها ، ثم أذن في الناس بالخروج ، فلما رأى ذلك رجال من ذوي الرأي ، قالوا : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمكث بالمدينة وهو أعلم بالله وما يريد ، ويأتيه الوحي من السماء ، فقالوا : يا رسول الله ، امكث كما أمرتنا . فقال : ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب وأذن بالخروج إلى العدو ، أن يرجع حتى يقاتل ، وقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج ، فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو ، وانظروا ماذا آمركم به فافعلوه . فائدة قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أن الجهاد يلزم بالشروع فيه ، حتى إن من لبس لأمته وشرع في أسبابه ، وتأهب للخروج ، ليس له أن يرجع عن الخروج حتى يقاتل عدوه .

ومنها : أنه لا يجب على المسلمين إذا طرقهم عدوهم في ديارهم الخروج إليه ، بل يجوز لهم أن يلزموا ديارهم ، ويقاتلوهم فيها إذا كان ذلك أنصر لهم على عدوهم ، كما أشار به رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم يوم أحد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث