الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع في مذاهب العلماء في محل الوتر

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 508 ] فرع ) ( في وقت الوتر ) أما أوله ففيه ثلاثة أوجه ( الصحيح ) المشهور الذي قطع به المصنف والجمهور أنه يدخل بفراغه من فريضة العشاء سواء صلى بينه وبين العشاء نافلة أم لا ، وسواء أوتر بركعة أم بأكثر ، فإن أوتر قبل فعل العشاء لم يصح وتره ، سواء تعمده أم سها وظن أنه صلى العشاء أم ظن جوازه ، وكذا لو صلى العشاء ظانا أنه تطهر ثم أحدث فتوضأ فأوتر فبان أنه كان محدثا في العشاء فوتره باطل .

( والوجه الثاني ) يدخل وقت الوتر بدخول وقت العشاء وله أن يصليه قبلها ، حكاه إمام الحرمين وآخرون ، وقطع به القاضي أبو الطيب قالوا : سواء تعمد أو سها .

( والثالث ) أنه إن أوتر بأكثر من ركعة دخل وقته بفعل العشاء ، وإن أوتر بركعة فشرط صحتها أن يتقدمها نافلة بعد فريضة العشاء ، فإن أوتر بركعة قبل أن يتقدمها نفل لم يصح وتره وقال إمام الحرمين : ويكون تطوعا ، قال الرافعي ينبغي أن يكون في صحتها نفلا وبطلانها بالكلية الخلاف السابق فيمن أحرم بالظهر قبل الزوال . وأما آخر وقت الوتر فالصحيح الذي قطع به المصنف والجمهور أنه يمتد إلى طلوع الفجر ويخرج وقته بطلوع الفجر ، وحكى المتولي قولا للشافعي أنه يمتد إلى أن يصلي فريضة الصبح ، وأما الوقت المستحب للإيتار فقطع المصنف والجمهور بأن الأفضل أن يكون الوتر آخر صلاة الليل ، فإن كان لا يتهجد استحب أن يوتر بعد فريضة العشاء وسننها في أول الليل ، وإن كان له تهجد فالأفضل تأخير الوتر ليفعله بعد التهجد ، ويقع وتره آخر صلاة الليل . وقال إمام الحرمين والغزالي : تقديم الوتر في أول الليل أفضل وهذا خلاف ما قاله غيرهما من الأصحاب ، قال الرافعي يجوز أن يحمل نفلهما على من لا يعتاد قيام الليل ، ويجوز أن يحمل على اختلاف قول ، والأمر فيه قريب وكل سائغ ( قلت ) والصواب التفصيل الذي سبق وأنه يستحب لمن له تهجد تأخير الوتر ويستحب أيضا لمن لم يكن له تهجد ووثق باستيقاظه أواخر الليل إما بنفسه وإما بإيقاظ غيره أن يؤخر الوتر ليفعله آخر الليل لحديث عائشة رضي الله عنها قالت : { كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل فإذا بقي الوتر أيقظني فأوترت } رواه مسلم . [ ص: 509 ] وفي رواية له : { فإذا أوتر قال : قومي فأوتري يا عائشة } ودليل استحباب الإيتار آخر الليل أحاديث كثيرة في الصحيح منها حديث عائشة رضي الله عنها قالت { من كل ليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوله وآخره ، وانتهى وتره إلى السحر } رواه البخاري ومسلم ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا } رواه البخاري ومسلم ، عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { بادروا الصبح بالوتر } رواه مسلم . وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله ، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهودة ، وذلك أفضل } رواه مسلم بلفظه . وهذا صريح فيما ذكرناه أولا من التفصيل ولا معدل عنه .

وأما حديث أبي الدرداء وأبي هريرة رضي الله عنهما : { أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت : صوم ثلاثة أيام من كل شهر ، وصلاة الضحى ، وألا أنام إلا على وتر } رواهما مسلم ، وروى البخاري حديث أبي هريرة ، فمحمولان على من لا يثق بالقيام آخر الليل وهذا التأويل متعين ليجمع بينه وبين حديث جابر وغيره من الأحاديث السابقة من قوله صلى الله عليه وسلم وفعله والله أعلم .

التالي السابق


. ( فرع ) إذا أوتر قبل أن ينام ثم قام وتهجد لم ينقض الوتر على الصحيح المشهور ، وبه قطع الجمهور ، بل يتهجد بما تيسر له شفعا ، وفيه وجه حكاه إمام الحرمين وغيره من الخراسانيين أنه يصلي من أول قيامه ركعة يشفعه ثم يتهجد ما شاء ثم يوتر ثانيا ، ويسمى هذا نقض الوتر والمذهب الأول لحديث طلق بن علي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { لا وتران في ليلة } رواه أبو داود والترمذي والنسائي ، قال الترمذي : حديث حسن



( فرع ) إذا استحببنا الجماعة في التراويح استحبت الجماعة أيضا في الوتر بعدها باتفاق الأصحاب ، فإن كان له تهجد لم يوتر معهم بل يؤخره إلى آخر الليل كما سبق فإن أراد الصلاة معهم صلى نافلة مطلقة وأوتر آخر [ ص: 510 ] الليل ، وأما في غير رمضان فالمشهور أنه لا يستحب فيه الجماعة ، وحكى الرافعي عن حكاية أبي الفضل بن عبدان وجهين في استحبابها فيه مطلقا ، والمذهب الأول .



والمذهب أن السنة أن يقنت في الركعة الآخرة من صلاة الوتر في النصف الأخير من شهر رمضان هذا هو المشهور في المذهب ، ونص عليه الشافعي رحمه الله ، وفي وجه يستحب في جميع شهر رمضان ، وهو مذهب مالك ووجه ثالث أنه يستحب في الوتر في جميع السنة . وهو قول أربعة من كبار أصحابنا ، أبي عبد الله الزبيري وأبي الوليد النيسابوري وأبي الفضل بن عبدان وأبي منصور بن مهران وهذا الوجه قوي في الدليل لحديث الحسن بن علي رضي الله عنهما السابق في القنوت ، ولكن المشهور في المذهب ما سبق ، وبه قال جمهور الأصحاب . قال الرافعي وظاهر كلام الشافعي رحمه الله كراهة القنوت في غير النصف الآخر من رمضان ، قال : ولو ترك القنوت في موضع استحبه سجد للسهو ، ولو قنت حيث لا يستحبه سجد للسهو ، وحكى الروياني وجها أنه يقنت في جميع السنة بلا كراهة ، ولا يسجد للسهو لتركه من غير النصف الآخر من رمضان قال : وهذا حسن وهو اختيار مشايخ طبرستان .



( فرع ) في موضع القنوت في الوتر أوجه ( الصحيح ) المشهور بعد الركوع ، ونص عليه الشافعي رحمه الله من حرملة ، وقطع به الأكثرون ، وصححه الباقون ( والثاني ) قبل الركوع قاله ابن سريج ( والثالث ) يتخير بينهما حكاه الرافعي وسيأتي دليل الجميع إن شاء الله تعالى ، فإذا قلنا : يقدمه على الركوع ، فالصحيح المشهور أنه يقنت بلا تكبير ، وفيه وجه أنه يكبر بعد القراءة ثم يقنت ثم يركع مكبرا حكاه الرافعي رحمه الله . .



( فرع ) قال أصحابنا : لفظ القنوت هنا كهو في الصبح ولهذا لم يذكره المصنف قالوا : فيقنت ب ( اللهم اهدني فيمن هديت ) وبقنوت عمر رضي الله عنه وقد سبق بيانهما في صفة الصلاة ، وهل الأفضل تقديم قنوت عمر على قوله : اللهم اهدني ؟ أم تأخيره ؟ فيه وجهان . قال الروياني تقديمه أفضل ، قال : وعليه العمل ، ونقل القاضي أبو الطيب في غير تعليقه عن شيوخهم تأخيره ، وهذا هو الذي نختاره ; لأن قولهم : اللهم اهدني ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا آكد وأهم فقدم قال الروياني : قال : [ ص: 511 ] ابن القاص : يزيد في القنوت : ربنا لا تؤاخذنا إلى آخر السورة واستحسنه ، وهذا الذي قاله غريب ضعيف ، والمشهور كراهة القراءة في غير القيام .



( فرع ) حكم الجهر بالقنوت ورفع اليد ومسح الوجه كما سبق في قنوت الصبح .



( فرع ) قال أصحابنا : يستحب لمن أوتر بثلاث أن يقرأ بعد الفاتحة في الأولى : سبح اسم ربك ، وفي الثانية : قل يا أيها الكافرون ، وفي الثالثة : قل هو الله أحد والمعوذتين ، واستدلوا له بالحديث الذي ذكره المصنف وسنذكره إن شاء الله تعالى وغيره .



( فرع ) يستحب أن يقول بعد الوتر ثلاث مرات " سبحان الملك القدوس " وأن يقول " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " ففيهما حديثان صحيحان في سنن أبي داود وغيره .



( فرع ) إذا أوتر ثم أراد أن يصلي نافلة أم غيرها في الليل جاز بلا كراهة ولا يعيد الوتر كما سبق ، ودليله حديث عائشة رضي الله عنها وقد سئلت عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت { كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيهن إلا في الثامنة فيذكر الله ويمجده ويدعوه ، ثم ينهض ولا يسلم ، ثم يقوم فيصلي التاسعة ، ثم يقعد فيذكر الله ويمجده ويدعوه ، ثم يسلم تسليما يسمعنا ، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد } رواه مسلم ، وهو بعض حديث طويل ، وهذا الحديث محمول على أنه صلى الله عليه وسلم صلى الركعتين بعد الوتر بيانا لجواز الصلاة بعد الوتر ويدل عليه أن الروايات المشهورة في الصحيحين عن عائشة مع رواية خلائق من الصحابة رضي الله عنهم في الصحيحين مصرحة بأن آخر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل كانت وترا وفي الصحيحين أحاديث كثيرة بالأمر يكون آخر صلاة الليل وترا كقوله صلى الله عليه وسلم { اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا ، } وقد تقدم قريبا عن الصحيحين كقوله صلى الله عليه وسلم [ ص: 512 ] { صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة } روياه في الصحيحين من رواية ابن عمر رضي الله عنهما فكيف يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم مع هذه الأحاديث وأشباهها أنه كان يداوم على ركعتين بعد الوتر ؟ وإنما معناه ما ذكرناه أولا من بيان الجواز ، وإنما بسطت الكلام في هذا الحديث ; لأني رأيت بعض الناس يعتقد أنه يستحب صلاة ركعتين بعد الوتر جالسا ، ويفعل ذلك ويدعو الناس إليه ، وهذه جهالة وغباوة ، [ لعدم ] أنسه بالأحاديث الصحيحة وتنوع طرقها وكلام العلماء فيها فاحذر من الاغترار به واعتمد ما ذكرته أولا وبالله التوفيق .



( فرع ) في مذاهب العلماء في حكم الوتر : مذهبنا أنه ليس بواجب بل هو سنة متأكدة ، وبه قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم . قال القاضي أبو الطيب هو قول العلماء كافة حتى أبو يوسف ومحمد . قال : وقال أبو حنيفة وحده : هو واجب وليس بفرض ، فإن تركه حتى طلع الفجر أثم ولزمه القضاء ، وقال الشيخ أبو حامد في تعليقه : الوتر سنة مؤكدة ليس بفرض ولا واجب ، وبه قالت الأمة كلها إلا أبا حنيفة فقال : هو واجب ، وعنه رواية أنه فرض ، وخالفه صاحباه فقالا : هو سنة .

قال أبو حامد قال ابن المنذر لا أعلم أحدا وافق أبا حنيفة في هذا . واحتج له بحديث أبي أيوب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { الوتر حق على كل مسلم فمن أحب أن يوتر بخمس } إلخ هو حديث صحيح كما سبق قريبا . وعن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ ص: 515 ] { يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر } رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم . قال الترمذي : حديث حسن . وعن بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا ، الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا ، الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا } رواه أبو داود . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الله زادكم صلاة فحافظوا عليها ، وهي الوتر } وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا } رواه البخاري ومسلم

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { أوتروا قبل أن تصبحوا } وعن عائشة رضي الله عنها قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل فإذا أوتر قال : قومي فأوتري يا عائشة } رواه مسلم . وذكروا أقيسة ومناسبات لا حاجة إليها مع هذه الأحاديث .

واحتج أصحابنا والجمهور بحديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال : { جاء رجل من أهل نجد فإذا هو يسأل عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خمس صلوات في اليوم والليلة ، فقال : هل علي غيرها ؟ فقال : لا إلا أن تطوع ، وسأله عن الزكاة والصيام . وقال في آخره : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أفلح إن صدق } رواه البخاري ومسلم من طرق ، واستنبط الشيخ أبو حامد وغيره منه أربعة أدلة ( أحدها ) أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أن الواجب من الصلوات إنما هو الخمس ( الثاني ) قوله هل علي غيرها ؟ قال لا ( الثالث ) قوله صلى الله عليه وسلم إلا أن تطوع ، وهذا تصريح بأن الزيادة على الخمس إنما تكون تطوعا ( الرابع ) أنه قال لا أزيد ولا أنقص ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أفلح إن صدق . وهذا تصريح بأنه لا يأثم بترك غير الخمس . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : { أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال : ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم [ ص: 516 ] وليلة ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم } رواه البخاري ومسلم وهذا من أحسن الأدلة ; لأن بعث معاذ رضي الله عنه إلى اليمن كان قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بقليل جدا .

وعن عبد الله بن محيريز عن رجل من بني كنانة يقال له المخدجي قال : كان بالشام رجل يقال له : أبو محمد قال : الوتر واجب ، فرحت إلى عبادة - يعني ابن الصامت - فقلت : إن أبا محمد يزعم أن الوتر واجب ، قال : كذب أبو محمد ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئا جاء وله عند الله عهد أن يدخله الجنة ، ومن ضيعهن استخفافا بحقهن جاء ولا عهد له إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة } هذا حديث صحيح رواه مالك في الموطأ وأبو داود والنسائي وغيرهم . وعن علي رضي الله عنه قال { : وليس الوتر بحتم كهيئة المكتوبة : ولكنه سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم } رواه الترمذي والنسائي وآخرون ، قال الترمذي : حديث حسن ، وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : { الوتر أمر حسن جميل عمل به النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون من بعده ، وليس بواجب } رواه الحاكم وقال : صحيح على شرط البخاري ومسلم وعن ابن عمر { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي الوتر على راحلته ولا يصلي عليها المكتوبة } رواه البخاري ومسلم ، واستدل به الشافعي والأصحاب على أن الوتر ليس بواجب .

فإن قيل : لا دلالة فيه ; لأن مذهبكم أن الوتر واجب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان سنة في حق الأمة فالواجب أن يقال : لو كان على العموم لم يصح على الراحلة كالمكتوبة ، وكان من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم جواز هذا الواجب الخاص عليه على الراحلة ، فهذه الأحاديث هي التي يعتمدها في المسألة واستدل أصحابنا بأحاديث كثيرة مشهورة غير [ ص: 517 ] ما سبق ، لكن أكثرها ضعيفة لا أستحل الاحتجاج بها ، وفيما ذكرته من الأحاديث الصحيحة أبلغ كفاية . ومن الضعيف الذي احتجوا به حديث أبي جناب - بجيم ونون - عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ثلاث هن علي فرائض وهن لكم تطوع : النحر والوتر وركعتا الضحى } رواه البيهقي وقال : أبو جناب الكلبي اسمه يحيى بن أبي حية ضعيف وهو مدلس ، وإنما ذكرت هذا الحديث لأبين ضعفه وأحذر من الاغترار به . قال أصحابنا : ولأنها صلاة لا يشرع لها الأذان ولا الإقامة فلم تكن واجبة على الأعيان كالضحى وغيرها ، واحترزوا بقولهم : على الأعيان من الجنازة والنذر . وأما الأحاديث التي احتجوا بها فمحمولة على الاستحباب والندب المتأكد ، ولا بد من هذا التأويل للجمع بينها وبين الأحاديث التي استدللنا بها ، فهذا جواب يعمها ويجاب عن بعضها خصوصا بجواب آخر ، فحديث أبي أيوب لا يقولون به ; لأن فيه : { فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل ، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل } وهم يقولون : لا يكون الوتر إلا ثلاث ركعات .

وحديث عمرو بن شعيب في إسناده المثنى بن الصباح ، وهو ضعيف ، وحديث بريدة في روايته عبيد الله بن عبد الله العتكي أبو المنيب والظاهر أنه منفرد به وقد ضعفه البخاري وغيره ووثقه ابن معين وغيره وادعى الحاكم أنه حديث صحيح والله أعلم .



( فرع ) في مذاهبهم في فعل الوتر على الراحلة في السفر : مذهبنا أنه جائز على الراحلة في السفر كسائر النوافل سواء كان له عذر أم لا ، وبهذا قال جمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم ، فمنهم علي بن أبي طالب وابن عمر ، وابن عباس وعطاء والثوري ومالك وأحمد وإسحاق وداود وقال أبو حنيفة وصاحباه : لا يجوز إلا لعذر . دليلنا حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان يوتر على راحلته في السفر } رواه البخاري ومسلم . .



[ ص: 518 ] ( فرع ) في مذاهبهم في وقت الوتر واستحباب تقديمه وتأخيره . قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر ، ثم حكى عن جماعة من السلف أنهم قالوا : يمتد وقته إلى أن يصلي الصبح ، وعن جماعة أنهم قالوا : يفوت لطلوع الفجر ، وممن استحب الإيتار أول الليل أبو بكر الصديق وعثمان بن عفان وأبو الدرداء وأبو هريرة ورافع بن خديج وعبد الله بن عمرو بن العاص لما أسن رضي الله عنهم ، وممن استحب تأخيره إلى آخر الليل عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود ومالك والثوري وأصحاب الرأي رضي الله عنهم ، وهو الصحيح في مذهبنا كما سبق وذكرنا دليله .



( فرع ) في مذاهبهم في عدد ركعات الوتر : قد سبق أن مذهبنا أن أقله ركعة وأكثره إحدى عشرة ، وفي وجه ثلاث عشرة وما بين ذلك جائز ، وكلما قرب من أكثره كان أفضل ، وبهذا قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم وقال أبو حنيفة لا يجوز الوتر إلا ثلاث ركعات موصولة بتسليمة واحدة كهيئة المغرب قال : لو أوتر بواحدة أو بثلاث بتسليمتين لم يصح ، ووافقه سفيان الثوري قال أصحابنا : لم يقل أحد من العلماء أن الركعة الواحدة لا يصح الإيتار بها غيرهما ومن تابعهما ، واحتج لهم بحديث محمد بن كعب القرظي أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن البتيراء . } وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : " الوتر ثلاث كوتر النهار : المغرب " قال البيهقي : هذا صحيح عن ابن مسعود من قوله وروي مرفوعا وهو ضعيف وعن ابن مسعود أيضا " ما أجزأت ركعة قط " وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان { لا يسلم في ركعتي الوتر } رواه النسائي بإسناد حسن .

واحتج أصحابنا بحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة } رواه البخاري ومسلم ، وعن ابن عمر أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { الوتر ركعة من آخر الليل } فرواه مسلم . وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يسلم كل ركعتين ويوتر [ ص: 519 ] منها بواحدة } رواه البخاري ومسلم وعن أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { الوتر حق فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل ، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل ، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل } حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح وصححه الحاكم وسبق بيانه ، وعن عائشة قالت { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها } رواه مسلم وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { لا توتروا بثلاث أوتروا بخمس أو بسبع ولا تشبهوا بصلاة المغرب } رواه الدارقطني وقال : إسناده كلهم ثقات . والأحاديث في المسألة كثيرة في الصحيح وفيما ذكرته كفاية ، قال البيهقي : وقد روينا عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم التطوع أو الوتر بركعة واحدة مفصولة عما قبلها ، ثم رواه من طرق بأسانيدها عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص وتميم الداري وأبي موسى الأشعري وابن عمر وابن عباس وأبي أيوب ومعاوية وغيرهم رضي الله عنهم .

والجواب عما احتجوا به من حديث البتيراء أنه ضعيف ومرسل وعن قول ابن مسعود : " الوتر ثلاث " أنه محمول على الجواز ، ونحن نقول به ، وإن أريد به أنه لا يجوز إلا ثلاث فالأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمة عليه . والجواب عن قوله : ( ما أجزأت صلاة ركعة قط ) أنه ليس بثابت عنه ولو ثبت لحمل على الفرائض فقد روي أنه ذكره ردا على ابن عباس في قوله : إن الواجب من الصلاة الرباعية في حال الخوف ركعة واحدة ، فقال ابن مسعود : " ما أجزأته ركعة من المكتوبات قط " والجواب عن حديث عائشة أنه محمول على الإيتار بتسع ركعات بتسليمة واحدة كما سبق بيانه في موضعه ، أو يحمل على الجواز جمعا بين الأدلة والله أعلم .



( فرع ) في مذاهبهم فيمن أوتر بثلاث هل يفصل الركعتين عن الثلاثة بسلام ؟ فذكرنا اختلاف أصحابنا في الأفضل من ذلك ، وأن الصحيح عندنا أن الفصل أفضل ، وهو قول ابن عمر ومعاذ القارئ وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة ومالك وأحمد وإسحاق وأبي ثور وقال الأوزاعي كلاهما حسن . وقال أبو حنيفة لا تجوز إلا موصولات ، وقد سبق بيان الأدلة عليه .



( فرع ) في مذاهبهم في نقض الوتر ، قد ذكرت أن مذهبنا المشهور أنه إذا أوتر في أول الليل ثم تهجد لا ينقض وتره بل يصلي ما شاء شفعا وحكاه القاضي عياض عن أكثر العلماء وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق وسعد وعمار بن ياسر وابن عباس وعائذ بن عمرو وعائشة وطاوس وعلقمة والنخعي وأبي مجلز والأوزاعي ومالك وأحمد وأبي ثور رضي الله عنهم ، وقالت طائفة : ينقضه فيصلي في أول تهجده ركعة تشفعه ، ثم يتهجد ثم يوتر في آخر صلاته حكاه ابن المنذر عن عثمان بن عفان وعلي وسعد وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وعمرو بن ميمون وابن سيرين وإسحاق رضي الله عنهم ، دليلنا [ الحديث ] السابق عن طلق بن علي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { لا وتران في ليلة } وقد سبق أن الترمذي قال هو حديث حسن ، ولأن الوتر الأول مضى على صحته فلا يتوجه بإبطاله بعد فراغه ، ودليل هذه المسائل المختلف فيها يفهم مما سبق في هذا الفصل فحذفتها ههنا اختصارا لطول الكلام وبالله التوفيق . .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث