الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


1111 [ ص: 5 ] [ ص: 6 ] 28 - كتاب النكاح

[ ص: 7 ] ( 1 ) باب ما جاء في الخطبة

1062 - مالك ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه " .

1063 - مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 8 ] قال : " لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه " .

23057 - قال مالك : وتفسير قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما نرى ، والله أعلم ، لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه . أن يخطب الرجل المرأة . فتركن إليه ، ويتفقان على صداق واحد معلوم . وقد تراضيا . فهي تشترط عليه لنفسها ، فتلك التي نهى أن يخطبها الرجل على خطبة أخيه . ولم يعن بذلك ، إذا خطب الرجل المرأة فلم يوافقها أمره ، ولم تركن إليه . أن لا يخطبها أحد . فهذا باب فساد يدخل على الناس .

التالي السابق


23058 - قال أبو عمر : بنحو ما فسر مالك هذا الحديث فسره الشافعي ، وأبو عبيد .

[ ص: 9 ] 23059 - وهو مذهب جماعة الفقهاء ، كلهم يتفقون في ذلك المعنى ، وهو المعمول به عند السلف والخلف .

23060 - وذلك والله أعلم لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أباح الخطبة لأسامة بن زيد على خطبة معاوية بن أبي سفيان ، وأبي جهم بن حذيفة حين خطبا فاطمة بنت قيس ، فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشاورة له ، فخطبها لأسامة بن زيد على خطبتها .

23061 - ومعلوم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يفعل ما ينهى عنه .

23062 - ولا أعلم أحدا ادعى نسخا في أحاديث هذا الباب ، فدلست ذلك على أن المعنى ما قاله الفقهاء من الركون والرضا ، والله أعلم .

[ ص: 10 ] 23063 - وسيأتي القول في قول أسامة في موضعه من هذا الكتاب ، إن شاء الله عز وجل .

23064 - وقد روي عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى ينكح ، أو يترك " .

23065 - وقد ذكرنا الأسانيد بذلك في " التمهيد " .

23066 - والمعنى فيه ما تقدم عن مالك ، وغيره من العلماء .

23067 - فإذا ركنت المرأة ، أو وليها ، ووقع الرضا ، لم يجز لأحد حينئذ الخطبة على من ركن إليه ، ورضي به ، واتفق عليه ، ومن فعل ذلك كان عاصيا إذا كان بالنهي عالما .

23068 - واختلفوا في فسخ نكاحه ، وسنذكر بعد ذلك في هذا الباب ، إن شاء الله تعالى .

23069 - وقد روى ابن وهب ، عن الليث ، وابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد الرحمن بن شماسة المهري أنه سمع عقبة بن عامر على المنبر يقول : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " المؤمن أخو المؤمن ، لا يحل لمؤمن أن [ ص: 11 ] يبتاع على بيع أخيه حتى يذر ، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر " .

23070 - ومن الدليل على ما وصفنا ما جاء عن السلف ما رواه ابن وهب في " موطئه " قال : أخبرنا مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، عن عبيد الله بن سعد ، عن الحارث بن أبي ذباب : أن جريرا البجلي أمره عمر بن الخطاب أن يخطب عليه امرأة من دوس ، ثم أمره مروان بن الحكم من بعده أن يخطبها عليه ، ثم أمره عبد الله بن عمر بعد ذلك ، فدخل عليها ، فأخبرها بهم الأول فالأول ، ثم خطبها معهم لنفسه ، فقالت : والله ما أدري أتلعب أم أنت جاد ؟ قال : بل جاد ، فنكحته ، فولدت له ولدين .

23071 - وفي سماع إسماعيل بن أبي أويس ، قال : سمعت مالكا يقول : أكره إذا بعث الرجل رجلا يخطب له امرأة أن يخطبها الرجل لنفسه ، وأراها خيانة .

[ ص: 12 ] 23072 - ولم أسمع أحدا رخص في ذلك .

23073 - قال : وسئل مالك عن رجل خطب امرأة ، وركنت إليه ، واتفق على صداق معلوم ، حتى صارت من اللائي قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " لا يخطب الرجل على خطبة أخيه " 23074 - قال مالك : إذا كان هكذا ، فملكها زوج آخر ، ولم يدخل بها ، فإنه يفرق بينهما .

23075 - وإن دخل بها مضى النكاح ، وبئس ما صنع حين خطب امرأة في حال نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخطب عليها .

23076 - قال أبو عمر : هذا هو المشهور عن مالك ، وتحصيل مذهبه فيمن خطب بعد الركون على خطبة أخيه أن يفسخ نكاحه ، إن لم يدخل ، فإن نكح لم يفسخ .

23077 - وقد روي عنه أنه يفسخ على كل حال .

23078 - وقد روي عنه أنه لا يفسخ أصلا ، وإن كان عاصيا بفعله .

23079 - وهو قول الشافعي ، وأبي حنيفة ، وأصحابهما .

[ ص: 13 ] 23080 - وقد قال الشافعي ليس بعاص إلا أن يكون بالنهي عالما وغير متأول .

23081 - وقال داود : يفسخ نكاحه على كل حال .

23082 - وقال ابن القاسم : إذا تزوج الرجل المرأة بعد أن ركنت إلى غيره ، فدخل بها ، فإنه يتحلل الذي خطبها عليه ويعرفه بما صنع ، فإن حلله ، وإلا فليستغفر الله من ذلك ، وليس يلزمه طلاقها ، وقد أثم فيما فعل .

23083 - قال ابن وهب : إن لم يجعله الأول في حل مما صنع ، فليطلقها ، فإن رغب فيها الأول ، وتزوجها ، فقد برئ هذا من الإثم ، وإن كره تزويجها ، فليراجعها الذي فارقها بنكاح جديد ، وليس يقضى عليه بالفراق .

23084 - وقال ابن القاسم : إنما معنى النهي في أن يخطب الرجل على خطبة أخيه في رجلين صالحين ، وأما إذا كان الذي خطبها أولا فركنت إليه رجل سوء ، فإنه ينبغي للولي أن يحضها على تزويج الرجل الصالح الذي يعلمها الخير ، ويعينها عليه .

23085 - قال أبو عمر : " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيع الرجل على بيع أخيه ، أو يخطب على خطبة أخيه " والبيع عندهم ( مكروه ) غير مفسوخ ، فكذلك النكاح ; [ ص: 14 ] لأنه لم يملك بضعها بالركون دون العقد ، ولا كانت له بذلك زوجة يجب بينهما الميراث ، ويقع الطلاق ، ولو كان كذلك لقضى مالك بفسخه قبل الدخول ، وبعده .

23086 - وفسخ النكاح عنده قبل الدخول من باب إعادة الصلاة في الوقت ليدرك العمل على سنته وكمال حسنه .

23087 - والركون عند أهل اللغة السكون إلى الشيء بالمحبة له ، والإنصات إليه ، ونقيضه النفور عنه .

23088 - ومن ذلك قوله تعالى ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار [ هود : 113 ] .

23089 - وقد روي في هذا المعنى عن عقبة بن عامر تشديد وتغليظ ، رواه ابن السرح ، عن حيوة بن شريح أن زياد بن عيينة حدثه أنه سمع عقبة بن عامر يقول على المنبر : لئن يجمع الرجل حطبا حتى يصير مثل الجبل ، ثم يوقده بالنار ، فإذا احترق اقتحم فيه حتى يصير رميما - خير له من أن يفعل إحدى ثلاث : يخطب على خطبة أخيه ، أو يسوم على سوم أخيه ، أو يصر لقحة .

23090 - قال أبو عمر : ما صح العقد فيه وكمل النكاح له ارتفع الوعيد فيه [ ص: 15 ] أن يكون كبيرة ، فمغفور مع اجتناب الكبائر .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث