الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في شرائط التطهير بالماء

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما شرائط التطهير بالماء فمنها العدد في نجاسة غير مرئية عندنا ، والجملة في ذلك أن النجاسة نوعان : حقيقية ، وحكمية ، ولا خلاف في أن النجاسة الحكمية - وهي الحدث والجناية - تزول بالغسل مرة واحدة ، ولا يشترط فيها العدد .

وأما النجاسة الحقيقية فإن كانت غير مرئية ، كالبول ونحوه ، ذكر في ظاهر الرواية أنه لا تطهر إلا بالغسل ثلاثا ، وعند الشافعي تطهر بالغسل مرة واحدة اعتبارا بالحدث ، إلا في ولوغ الكلب في الإناء ، فإنه لا يطهر إلا بالغسل سبعا إحداهن بالتراب بالحديث ، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم : أنه قال : { إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهن بالتراب } .

( ولنا ) ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثا } فقد أمر بالغسل ثلاثا ، وإن كان ذلك غير مرئي وما رواه الشافعي فذلك عندما كان في ابتداء الإسلام ; لقلع عادة الناس في الإلف بالكلاب ، كما أمر بكسر الدنان ونهى عن الشرب في ظروف الخمر حين حرمت الخمر ، فلما تركوا العادة أزال ذلك كما في الخمر ، دل عليه ما روي في بعض الروايات : { فليغسله سبعا أولاهن بالتراب ، أو أخراهن بالتراب ، } وفي بعضها : { وعفروا الثامنة بالتراب ، } وذلك غير واجب بالإجماع .

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء ، حتى يغسلها ثلاثا ، فإنه لا يدري أين باتت يده } أمر بالغسل ثلاثا عند [ ص: 88 ] توهم النجاسة ، فعند تحققها أولى ; ولأن الظاهر أن النجاسة لا تزول بالمرة الواحدة ، ألا ترى أن النجاسة المرئية فقط لا تزول بالمرة الواحدة ، فكذا غير المرئية ، ولا فرق سوى أن ذلك يرى بالحس ، وهذا يعلم بالعقل ، والاعتبار بالحدث غير سديد ; لأنه ثمة لا نجاسة رأسا ، وإنما عرفنا وجوب الغسل نصا غير معقول المعنى ، والنص ورد بالاكتفاء بمرة واحدة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم { توضأ مرة مرة وقال : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به } ، ثم التقدير بالثلاث عندنا ليس بلازم ، بل هو مفوض إلى غالب رأيه ، وأكبر ظنه ، وإنما ورد النص بالتقدير بالثلاث بناء على غالب العادات ، فإن الغالب أنها تزول بالثلاث ; ولأن الثلاث هو الحد الفاصل لإبلاء العذر ، كما في قصة العبد الصالح مع موسى حيث قال له موسى في المرة الثالثة : { قد بلغت من لدني عذرا } وإن كانت النجاسة مرئية كالدم ونحوه ، فطهارتها زوال عينها ، ولا عبرة فيه بالعدد ; لأن النجاسة في العين فإن زالت العين زالت النجاسة ، وإن بقيت بقيت ، ولو زالت العين وبقي الأثر ، فإن كان مما يزول أثره لا يحكم بطهارته ، ما لم يزل الأثر ; لأن الأثر لون عينه ، لا لون الثوب ، فبقاؤه يدل على بقاء عينه وإن كانت النجاسة مما لا يزول أثره ، لا يضر بقاء أثره عندنا ، وعند الشافعي لا يحكم بطهارته ما دام الأثر باقيا وينبغي أن يقطع بالمقراض ; لأن بقاء الأثر دليل بقاء العين .

( ولنا ) ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للمستحاضة : { حتيه ، ثم اقرضيه ، ثم اغسليه بالماء ، ولا يضرك أثره } وهذا نص ; ولأن الله تعالى لما لم يكلفنا غسل النجاسة إلا بالماء ، مع علمه أنه ليس في طبع الماء قلع الآثار دل على أن بقاء الأثر فيما لا يزول أثره ليس بمانع زوال النجاسة .

وقوله : بقاء الأثر دليل بقاء العين مسلم ، لكن الشرع أسقط اعتبار ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام : { ولا يضرك بقاء أثره } ، ولما ذكرنا أنه لم يأمرنا إلا بالغسل بالماء ، ولم يكلفنا تعلم الحيل في قلع الآثار ; ولأن ذلك في حد القلة ، والقليل من النجاسة عفو عندنا ; ولأن إصابة النجاسة التي لها أثر باق كالدم الأسود العبيط مما يكثر في الثياب خصوصا في حق النسوان ، فلو أمرنا بقطع الثياب ; لوقع الناس في الحرج ، وأنه مدفوع وكذا يؤدي إلى إتلاف الأموال ، والشرع نهانا عن ذلك ، فكيف يأمرنا به ؟ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث