الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآية السابعة قوله تعالى إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق

[ الآية السابعة ] قوله تعالى : { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم } .

فيها مسألتان : [ ص: 78 ] المسألة الأولى : هذه الآية في مقابلة الآية المتقدمة في ( براءة ) ، وهي قوله : { ما على المحسنين من سبيل } فكما نفى الله السبيل عمن أحسن فكذلك أثبتها على من ظلم ، واستوفى بيان القسمين . المسألة الثانية : روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك ، وسئل عن قول سعيد بن المسيب : لا أحلل أحدا . فقال : ذلك يختلف . فقلت : يا أبا عبد الله ، الرجل يسلف الرجل فيهلك ، ولا فاء له . قال : أرى أن يحلله ، وهو أفضل عندي لقول الله تعالى : { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } وليس كلما قال أحد وإن كان له فضل يتبع . فقيل له : الرجل يظلم الرجل ، فقال : لا أرى ذلك ، وهو مخالف عندي للأول ، لقول الله تعالى : { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } ، ويقول تعالى : { ما على المحسنين من سبيل } فلا أرى أن تجعله من ظلمه في حل .

قال ابن العربي : فصار في المسألة ثلاثة أقوال : أحدها لا يحلله بحال ; قاله سعيد بن المسيب .

والثاني : يحلله ; قاله محمد بن سيرين .

الثالث إن كان مالا حلله ، وإن كان ظلما لم يحلله ; وهو قول مالك .

وجه الأول ألا يحلل ما حرم الله ، فيكون كالتبديل لحكم الله .

ووجه الثاني أنه حقه ; فله أن يسقطه [ كما يسقط دمه وعرضه ] .

ووجه الثالث الذي اختاره مالك هو أن الرجل إذا غلب على حقك فمن الرفق به أن تحلله ، وإن كان ظالما فمن الحق ألا تتركه لئلا يغتر الظلمة ، ويسترسلوا في أفعالهم القبيحة .

وفي صحيح مسلم ، عن عبادة بن الوليد بن عبادة الصامت قال : خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا ، فكان أول من لقينا أبو اليسر صاحب [ ص: 79 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه غلام له معه ضمامة من صحف وعلى أبي اليسر بردة ومعافري ، وعلى غلامه بردة ومعافري ، فقال له أبي : أي عم ; أرى في وجهك سفعة من غضب . فقال : أجل ، كان لي على فلان ابن فلان الحرامي دين ، فأتيت أهله فسلمت ، وقلت : أثم هو ؟ قالوا : لا ، فخرج علي ابن له جفر ، قلت له : أين أبوك ، فقال : سمع صوتك فدخل أريكة أمي ، فقلت : اخرج إلي ، فقد علمت أين أنت ، فخرج ، فقلت له : ما حملك على أن اختبأت مني ؟ قال : أنا والله أحدثك ، ثم لا أكذبك ، خشيت والله أن أحدثك فأكذبك ، وأعدك فأخلفك ، وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت والله معسرا . قال : فقلت : آلله ، قال : آلله . قلت : آلله ، قال : آلله ، قال : فقلت : آلله ، قال : آلله . قال : فأتى بصحيفته فمحاها بيده . قال : إن وجدت قضاء فاقض ، وإلا فأنت في حل . .

وذكر الحديث .

وهذا في الحي الذي يرجى له الأداء لسلامة الذمة ، ورجاء التحلل ، فكيف بالميت الذي لا محالة معه ، ولا ذمة معه ،

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث