الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 331 ] كتاب القسمة

معنى الإفراز فيما لا يتفاوت أظهر كالمكيل والموزون ، ومعنى المبادلة فيما يتفاوت أظهر كالحيوان والعقار ، إلا أنه يجبر الممتنع منهما على القسمة إذا اتحد الجنس ، ولا يجبر عند اختلاف الجنس ، ولو اقتسموا بأنفسهم جاز ، ويقسم على الصبي وصيه أو وليه ، وينبغي للقاضي أن ينصب قاسما عدلا مأمونا عالما بالقسمة يرزقه من بيت المال ، أو يقدر له أجرا يأخذه من المتقاسمين ، وهو على عدد رؤوسهم ( سم ) ، ولا يجبر الناس على قاسم واحد ، ولا يترك القسام يشتركون . جماعة في أيديهم عقار طلبوا من القاضي قسمته ، وادعوا أنه ميراث لم يقسمه حتى يقيموا البينة ( ف ) على ( سم ) الوفاة وعدد الورثة ، فإن حضر وارثان فأقاما البينة على الوفاة وعدد الورثة ومعهما وارث غائب قسمه بينهم إلا أن يكون العقار في يد الغائب ، وفي الشراء لا يقسمه إلا بحضرة الجميع ، وإن حضر وارث واحد لم يقسم وإن أقام البينة .

[ ص: 331 ]

التالي السابق


[ ص: 331 ] وهي في الأصل : رفع الشيوع وقطع الشركة ، قال الله تعالى : ( ونبئهم أن الماء قسمة بينهم ) أي غير شائع ولا مشترك ، بل لهم يوم وللناقة يوم; ومعنى قسمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغنائم أنه أفرزها وقطع الشركة فيها ، وهذا المعنى مرعي في التبرع ، إلا أنه تارة يقع إفرزا وتمييزا للأنصباء ، وتارة مبادلة ومعاوضة على ما نبينه إن شاء الله تعالى ، وهي مشروعة بالكتاب وهو قوله تعالى : (واعلموا أنما غنمتم من شيء ) - الآية ، بين الأنصباء وهو معنى القسمة . والسنة وهو أنه - عليه الصلاة والسلام - قسم الغنائم والمواريث ، وقسم خيبر بين أصحابه ، وعلي - رضي الله عنه - نصب عبد الله بن يحيى ليقسم الدور والأرضين ويأخذ عليه الأجر ، وعليه إجماع المسلمين ، ولأن المشترك قد لا يمكنهما الانتفاع به; فمست الحاجة إلى القسمة ليصل كل واحد إلى المنفعة بملكه ، أو لأنه لا يمكنه الانتفاع إلا بالتهايؤ فيبطل عليه الانتفاع في بعض الأزمان ، فكانت القسمة متممة للمنفعة ، وقد ذكرنا أن القسمة تكون إفرازا وتكون مبادلة فنقول :

( معنى الإفراز فيما لا يتفاوت أظهر كالمكيل والموزون ) وسائر المثليات حتى كان لكل واحد أن يأخذ نصيبه بغير رضى صاحبه ومع غيبته ، ويبيعه مرابحة وتولية على نصف الثمن ، ولا [ ص: 332 ] يخلو عن معنى المبادلة أيضا ، لأن ما حصل له كان له بعضه وبعضه لشريكه ، إلا أنه جعل وصول مثل حقه إليه كوصول عين حقه لعدم التفاوت .

( ومعنى المبادلة أظهر فيما يتفاوت كالحيوان والعقار ) وكل ما ليس بمثلي حتى لا يكون لأحدهما أخذ نصيبه مع غيبة الآخر ، ولو اقتسما فليس له بيعه مرابحة ، لأن ما أخذ ليس بمثل لما ترك على صاحبه .

( إلا أنه يجبر الممتنع منهما على القسمة إذا اتحد الجنس ) كالإبل والبقر والغنم تتميما للمنفعة وتكميلا لثمرة الملك ، فإن الطالب يسأل القاضي أن يخصه بنصيبه ويمنع غيره من الانتفاع به فيجيبه القاضي إلى ذلك ؛ لأنه نصب للمصالح ودفع المظالم ، والإجبار على المبادلة جائز إذا تعلق بها حق الغير كالمشتري مع الشفيع ، والمديون يجبر على بيع ملكه لإيفاء الدين .

( ولا يجبر عند اختلاف الجنس ) كالحيوان مع العقار ، أو البقر مع الخيل ونحو ذلك ، لتعذر المعادلة فيه للتفاوت الفاحش بينهما في المقصود ، وكذلك الثياب إذا اختلفت أجناسها ، والثوبان إذا اختلفت قيمتهما .

( ولو اقتسموا بأنفسهم جاز ) لأنه بيع ولهما ذلك .

قال : ( ويقسم على الصبي وصيه أو وليه ) كالبيع وسائر التصرفات ، فإن لم يكن نصب له القاضي من يقسم .

قال : ( وينبغي للقاضي أن ينصب قاسما عدلا مأمونا عالما بالقسمة ) لأنه لا قدرة له على العمل إلا بالعلم به ، ولا اعتماد على قوله إلا بالعدالة ، ولا وثوق إلى فعله إلا بالأمانة ، ولأنه يحكم عليهم بفعله فأشبه القاضي ، فينبغي أن يكون بهذه الصفات .

قال : ( يرزقه من بيت المال ) لأن فعله يقطع المنازعة كالقضاء ، فينبغي أن يكون رزقه من بيت المال كالقاضي ، ولأنه أنفى للتهمة فكان أفضل ، ولأنه أرفق بالعامة .

قال : ( أو يقدر له أجرا يأخذه من المتقاسمين ) لأنه يعمل لهم وإنما يقدره لئلا يطلب زيادة ويشتط عليهم في الأجر .

[ ص: 333 ] قال : ( وهو على عدد رؤوسهم ) وقالا : على الأنصباء لأنها مؤونة الملك فيتقدر بقدره ، فصار كحافر بئر مشتركة ونفقة المملوك المشترك . ولأبي حنيفة أنه جزاء عمله وهو التمييز والإفراز ، ويستوي فيه القليل والكثير . بيانه أنه لا يأخذ الأجر على المساحة والمشي على الحدود ، حتى لو استعان في ذلك بأرباب الملك فله الأجر إذا قسم وميز ، وربما يكثر عمله في القليل لأن الحساب إنما يدق ويصعب عند تفاوت الأنصباء لا عند استوائهما ، بخلاف حفر البئر فإن الأجرة مقابلة بالعمل وهو نقل التراب ، ونفقة المملوك لإبقاء الملك وحاجة صاحب الكثير أكثر ، وبخلاف الكيلي والوزني لأنه أجر عمله ، ولهذا لو استعان في ذلك بأرباب الملك لا أجر له ، وكيل الكثير أكثر من كيل القليل قطعا . وروي عن أبي حنيفة أن الأجر على الطالب لأنه هو المنتفع به دون الممتنع لتضرره به .

قال : ( ولا يجبر الناس على قاسم واحد ) معناه إذا لم يقدر أجره لأنه يتعدى أجر مثله ويتحكم في طلب الزيادة وأنه ضرر .

قال : ( ولا يترك القسام يشتركون ) لأن عند الاشتراك لا يخافون الفوت فيتغالون في الأجر ، وعند عدم الاشتراك يخاف الفوت بسبق غيره فيبادر إلى العمل فيرخص الأجر .

قال : ( جماعة في أيديهم عقار طلبوا من القاضي قسمته ، وادعوا أنه ميراث لم يقسمه حتى يقيموا البينة على الوفاة وعدد الورثة ) وقالا : يقسمه باعترافهم ، ويذكر في كتاب القسمة أنه قسمه بقولهم ، ولا يحتاج إلى بينة لأن اليد دليل الملك ، والظاهر صدقهم ولا منازع لهم كما في غير العقار; وكما إذا ادعوا في العقار الشراء أو مطلق الملك ، فإنه يقسمه في هذه الصور بالإجماع; وكذا لو كان في الورثة كبير غائب أو صغير والدار في أيدي الكبار الحضور يقسمها بقولهم ، ويعزل نصيب الصغير والغائب إلا أن يكون العقار في يد الغائب أو الصبي ، فلا بد من حضورهما لئلا يكون قضاء على الغائب والصبي ، وإنما يذكر أنه قسمها بقولهم لئلا يتعداهم الحكم .

ولأبي حنيفة أن التركة قبل القسمة مبقاة على حكم ملك الميت ، لأن الزوائد المتولدة منها تحدث على ملكه حتى يقضي منه ديونه وتنفذ وصاياه ، فلا يجوز للقاضي قطع حكم ملكه إلا ببينة ، بخلاف المنقول لأنه يحتاج إلى الحفظ ، فكانت قسمته للحفظ والعقار محفوظ بنفسه ، وبخلاف المشتري لأن ملك البائع انقطع عن المبيع فلم تكن القسمة قضاء على الغير ، وكذا إذا [ ص: 334 ] أطلقوا الملك لأنهم ما اعترفوا به لغيرهم . وفي الجامع الصغير شرط إقامة البينة عند الإطلاق ، لأن قسمة الحفظ لا يحتاج إليها في العقار ، وقسمة الملك تفتقر إلى ثبوته فاحتاج إلى البينة .

قال : ( فإن حضر وارثان فأقاما البينة على الوفاة وعدد الورثة ومعهما وارث غائب قسمه بينهم إلا أن يكون العقار في يد الغائب ) لما مر .

( وفي الشراء لا يقسمه إلا بحضرة الجميع ) والفرق أن ملك الوارث ملك خلافة حتى ينتقل إليه خيار العيب والتعيين فيما اشتراه المورث أو باعه فيكون أحدهما خصما عن الميت فيما في يده والآخر عن نفسه ، وفي الشراء ملك مبتدأ حتى ليس له الرد بالعيب على بائع بائعه ، ولا يصلح الحاضر خصما عن الغائب فافترقا .

قال : ( وإن حضر وارث واحد لم يقسم وإن أقام البينة ) لأن الواحد لا يكون خصما ومقاسما من جهتين ولا بد من حضور خصمين .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث