الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إذا كلم وهو يصلي فأشار بيده واستمع

جزء التالي صفحة
السابق

باب إذا كلم وهو يصلي فأشار بيده واستمع

1176 حدثنا يحيى بن سليمان قال حدثني ابن وهب قال أخبرني عمرو عن بكير عن كريب أن ابن عباس والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن أزهر رضي الله عنهم أرسلوه إلى عائشة رضي الله عنها فقالوا اقرأ عليها السلام منا جميعا وسلها عن الركعتين بعد صلاة العصر وقل لها إنا أخبرنا عنك أنك تصلينهما وقد بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها وقال ابن عباس وكنت أضرب الناس مع عمر بن الخطاب عنها فقال كريب فدخلت على عائشة رضي الله عنها فبلغتها ما أرسلوني فقالت سل أم سلمة فخرجت إليهم فأخبرتهم بقولها فردوني إلى أم سلمة بمثل ما أرسلوني به إلى عائشة فقالت أم سلمة رضي الله عنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عنها ثم رأيته يصليهما حين صلى العصر ثم دخل علي وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار فأرسلت إليه الجارية فقلت قومي بجنبه فقولي له تقول لك أم سلمة يا رسول الله سمعتك تنهى عن هاتين وأراك تصليهما فإن أشار بيده فاستأخري عنه ففعلت الجارية فأشار بيده فاستأخرت عنه فلما انصرف قال يا بنت أبي أمية سألت عن الركعتين بعد العصر وإنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان

التالي السابق


قوله : ( باب إذا كلم ) بضم الكاف في الصلاة ( واستمع ) أي المصلي لم تفسد صلاته .

قوله : ( أخبرني عمرو ) هو ابن الحارث ، وبكير بالتصغير هو ابن عبد الله بن الأشج ، ونصف هذا الإسناد المبدأ به مصريون ، والثاني مدنيون .

قوله : ( وقد بلغنا ) فيه إشارة إلى أنهم لم يسمعوا ذلك منه صلى الله عليه وسلم ، فأما ابن عباس ، فقد [ ص: 127 ] سمى الواسطة ، وهو عمر ، كما تقدم في المواقيت من قوله : شهد عندي رجال مرضيون ، وأرضاهم عندي عمر " ، الحديث . وأما المسور ، وابن أزهر ، فلم أقف عنهما على تسمية الواسطة ، وقوله قبل ذلك : " وإنا أخبرنا " بضم الهمزة ، ولم أقف على تسمية المخبر ، وكأنه عبد الله بن الزبير ، فسيأتي في الحج من روايته عن عائشة ما يشهد لذلك ، وروى ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن الحارث ، قال : " دخلت مع ابن عباس على معاوية فأجلسه على السرير ، ثم قال : ما ركعتان يصليهما الناس بعد العصر ؟ قال ذلك ما يفتي به الناس ابن الزبير ، فأرسل إلى ابن الزبير فسأله ، فقال : أخبرتني بذلك عائشة ، فأرسل إلى عائشة ، فقالت : أخبرتني أم سلمة ، فأرسل إلى أم سلمة ، فانطلقت مع الرسول " ، فذكر القصة . واسم الرسول المذكور كثير بن الصلت ، سماه الطحاوي بإسناد صحيح إلى أبي سلمة : " إن معاوية قال وهو على المنبر لكثير بن الصلت : اذهب إلى عائشة فاسألها ، فقال أبو سلمة : فقمت معه ، وقال ابن عباس ، لعبد الله بن الحارث : اذهب معه ، فجئناها فسألناها " ، فذكره .

قوله : ( تصلينهما ) في رواية الكشميهني " تصليهما " بحذف النون وهو جائز .

قوله : ( وقال ابن عباس كنت أضرب الناس مع عمر عنها ) أي لأجلها في رواية الكشميهني : " عنه " ، وكذا في قوله : " نهى عنها " ، وكأنه ذكر الضمير على إرادة الفعل ، وهذا موصول بالإسناد المذكور ، وقد روى ابن أبي شيبة من طريق الزهري عن السائب ، هو ابن يزيد قال : رأيت عمر يضرب المنكدر على الصلاة بعد العصر .

قوله : ( قال كريب ) هو موصول بالإسناد المذكور .

قوله : ( فقالت : سل أم سلمة ) زاد مسلم في روايته من هذا الوجه : " فخرجت إليهم ، فأخبرتهم بقولها ، فردوني إلى أم سلمة " . وفي رواية أخرى للطحاوي " . فقالت عائشة : ليس عندي ، ولكن حدثتني أم سلمة " .

قوله : ( ثم رأيته يصليهما حين صلى العصر ثم دخل علي ) ؛ أي فصلاهما حينئذ بعد الدخول ، وفي رواية مسلم : ثم رأيته يصليهما ، أما حين صلاهما ، فإنه صلى العصر ثم دخل عندي فصلاهما .

قوله : ( من بني حرام ) بفتح المهملتين .

قوله : ( فأرسلت إليه الجارية ) لم أقف على اسمها ، ويحتمل أن تكون بنتها زينب ، لكن في رواية المصنف في المغازي : " فأرسلت إليه الخادم " .

قوله : ( فقال : يا ابنة أبي أمية ) هو والد أم سلمة ، واسمه حذيفة - وقيل : سهيل - ابن المغيرة المخزومي .

قوله : ( عن الركعتين ) أي اللتين صليتهما الآن .

قوله : ( وإنه أتاني ناس من عبد القيس ) زاد في المغازي : " بالإسلام من قومهم فشغلوني " . وللطحاوي من وجه آخر : قدم علي قلائص من الصدقة فنسيتهما ثم ذكرتهما ، فكرهت أن أصليهما في المسجد والناس يرون ، فصليتهما عندك . وله من وجه آخر : " فجاءني فشغلني " . وله من وجه آخر : " قدم علي وفد من بني تميم ، أو جاءتني صدقة " . وقوله : " من بني تميم " وهم ، وإنما هم من عبد القيس ، وكأنهم حضروا معهم بمال المصالحة من أهل البحرين ، كما سيأتي في الجزية من طريق عمرو بن عوف ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان صالح أهل البحرين ، وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي ، وأرسل أبا عبيدة ، فأتاه بجزيتهم . ويؤيده أن في رواية [ ص: 128 ] عبد الله بن الحارث المتقدم ذكرها أنه كان بعث ساعيا ، وكان قد أهمه شأن المهاجرين ، وفيه : فقلت : ما هاتان الركعتان ؟ فقال : شغلني أمر الساعي .

قوله : ( فهما هاتان ) في رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أم سلمة عند الطحاوي من الزيادة : " فقلت : أمرت بهما ؟ فقال : لا ، ولكن كنت أصليهما بعد الظهر ، فشغلت عنهما ، فصليتهما الآن " . وله من وجه آخر عنها : " لم أره صلاهما قبل ولا بعد " . لكن هذا لا ينفي الوقوع ، فقد ثبت في مسلم ، عن أبي سلمة أنه سأل عائشة عنهما ، فقالت : كان يصليهما قبل العصر ، فشغل عنهما ، أو نسيهما فصلاهما بعد العصر ، ثم أثبتهما ، وكان إذا صلى صلاة أثبتها . ؛ أي داوم عليها . ومن طريق عروة عنها : " ما ترك ركعتين بعد العصر عندي قط " . ومن ثم اختلف نظر العلماء ، فقيل : تقضى الفوائت في أوقات الكراهة لهذا الحديث ، وقيل : هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : هو خاص بمن وقع له نظير ما وقع له . وقد تقدم البحث في ذلك مبسوطا في أواخر المواقيت . وفي الحديث من الفوائد سوى ما مضى جواز استماع المصلي إلى كلام غيره وفهمه له ، ولا يقدح ذلك في صلاته . وأن الأدب في ذلك أن يقوم المتكلم إلى جنبه لا خلفه ، ولا أمامه ، لئلا يشوش عليه بأن لا تمكنه الإشارة إليه إلا بمشقة ، وجواز الإشارة في الصلاة ، وسيأتي في باب مفرد . وفيه البحث عن علة الحكم وعن دليله ، والترغيب في علو الإسناد ، والفحص عن الجمع بين المتعارضين ، وأن الصحابي إذا عمل بخلاف ما رواه لا يكون كافيا في الحكم بنسخ مرويه ، وأن الحكم إذا ثبت لا يزيله إلا شيء مقطوع به ، وأن الأصل اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في أفعاله ، وأن الجليل من الصحابة قد يخفى عليه ما اطلع عليه غيره ، وأنه لا يعدل إلى الفتوى بالرأي مع وجود النص ، وأن العالم لا نقص عليه إذا سئل عما لا يدري ، فوكل الأمر إلى غيره . وفيه قبول أخبار الآحاد والاعتماد عليه في الأحكام ، ولو كان شخصا واحدا رجلا أو امرأة ، لاكتفاء أم سلمة بأخبار الجارية . وفيه دلالة على فطنة أم سلمة ، وحسن تأتيها بملاطفة سؤالها واهتمامها بأمر الدين ، وكأنها لم تباشر السؤال لحال النسوة اللاتي كن عندها ، فيؤخذ منه إكرام الضيف واحترامه ، وفيه زيارة النساء المرأة ، ولو كان زوجها عندها ، والتنفل في البيت ولو كان فيه من ليس منهم ، وكراهة القرب من المصلي لغير ضرورة ، وترك تفويت طلب العلم ، وإن طرأ ما يشغل عنه ، وجواز الاستنابة في ذلك ، وأن الوكيل لا يشترط أن يكون مثل موكله في الفضل ، وتعليم الوكيل التصرف إذا كان ممن يجهل ذلك ، وفيه الاستفهام بعد التحقق لقولها : " وأراك تصليهما "والمبادرة إلى معرفة الحكم المشكل فرارا من الوسوسة ، وأن النسيان جائز على النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن فائدة استفسار أم سلمة عن ذلك تجويزها ، إما النسيان ، وإما النسخ ، وإما التخصيص به ، فظهر وقوع الثالث . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث