الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إنكار ابن عمر إنتقال المطلقة المبتوتة

1231 1187 - مالك ، عن نافع ; أن بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، كانت تحت عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ، فطلقها البتة ، فانتقلت . فأنكر ذلك عليها عبد الله بن عمر .

1188 - مالك ، عن نافع ; أن عبد الله بن عمر طلق امرأة له ، في مسكن حفصة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان طريقه إلى المسجد . فكان يسلك [ ص: 58 ] الطريق الأخرى ، من أدبار البيوت ، كراهية أن يستأذن عليها . حتى راجعها .

1189 - مالك ، عن يحيى بن سعيد ; أن سعيد بن المسيب سئل عن المرأة يطلقها زوجها وهي في بيت بكراء ، على من الكراء ؟ فقال سعيد بن المسيب : على زوجها . قال : فإن لم يكن عند زوجها ؟ قال : فعليها قال : فإن لم يكن عندها ؟ قال : فعلى الأمير .

التالي السابق


26813 - قال أبو عمر : أما حديثه عن نافع : أن عبد الله بن عمر أنكر على ابنة سعيد بن زيد انتقالها من بيتها حين طلقها عبد الله بن عمرو بن عثمان ، فهو مذهبه ، ومذهب أبيه : عمر بن الخطاب ، وابن مسعود ، وعائشة ، وأكثر الصحابة ، وجمهور الفقهاء ; لعموم قول الله تعالى : لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة [ الطلاق : 1 ] .

26814 - وأجمعوا أن المطلقة طلاقا يملك فيها زوجها رجعتها أنها لا تنتقل من بيتها .

26815 - وإنما اختلفوا في المبتوتة هل عليها السكنى ؟ وهل على زوجها أن يسكنها أم لا ؟

26816 - وسنذكر هذا في الباب بعد هذا .

[ ص: 59 ] 26817 - وجمهور العلماء بالمدينة ، وسائر الحجاز ، والعراق يقولون : لا تعتد إلا في بيتها .

26818 - واختلفوا في إحداد المطلقة ، وسنذكر هذين المعنيين بأبلغ من هذا في موضعهما إن شاء الله تعالى .

26819 - وأما حديث ابن عمر في سلوكه من أدبار البيوت حين طلق امرأته ; كراهية أن يستأذن عليها حتى راجعها ، فهو من ورعه .

26820 - وغيره كان يأمر المطلقة الرجعية أن تتزين ، وتتشوف لزوجها ، وتتعرض له .

26821 - وروي ذلك عن جماعة من فقهاء التابعين .

26822 - وقد روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال : تتشوف له .

26823 - وقال ابن عباس : لا يصلح له أن يرى شعرها .

26824 - وقد روى عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنه طلق امرأته تطليقة ، أو تطليقتين ، فكان يستأذن عليها .

26825 - ذكره أبو بكر ، عن عبدة بن سليمان ، عن عبيد الله .

26826 - وروى معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، قال : إذا طلق [ ص: 60 ] الرجل امرأته تطليقة ، فإنه يستأذن عليها ، وتلبس ما شاء من الثياب والحلي ، فإن لم يكن لهما إلا بيت واحد ، فليجعلا بينهما سترا ، ويسلم إذا دخل .

26827 - وقال معمر ، عن الزهري ، وقتادة في الرجل يطلق امرأته تطليقة ، أو تطليقتين قالا : تتشوف له .

26828 - وقال إبراهيم : لا يكون معها في بيتها ، لا يدخل عليها إلا بإذن .

26829 - وقال الحسن ، ومجاهد ، وعطاء ، وقتادة : يشعرها بالتنحنح ، والتنخم ، ونحو ذلك .

26830 - وقال مالك في المطلقة الرجعية : لا يخلو معها ، ولا يدخل عليها إلا بإذن ، ولا ينظر إليها إلا وعليها ثيابها ، ولا ينظر إلى شعرها ، ولا بأس أن يأكل معها إذا كان معها غيرهما ولا يبيت معها في بيت ، ولا ينتقل عنها .

26831 - وقال ابن القاسم : رجع مالك عن ذلك ، وقال : لا يدخل عليها ولا يرى شعرها ، ولا يأكل معها .

26832 - وقال الثوري : لا بأس أن تتشوف له ، وتتزين ، وتسلم ، ولا يستأذن عليها ، ولا يؤذنها ، ويؤذنها بالتنحنح ، ولا يرى لها شعرا ، لا محرما .

[ ص: 61 ] 26833 - وهو قول أبي يوسف .

26834 - وقال الأوزاعي : لا يدخل عليها إلا بإذن ، وتتشوف له ، وتتزين وتبدي البنان ، والكحل .

26835 - وقال أبو حنيفة : لا بأس أن تتزين المطلقة الرجعية لزوجها ، وتتطيب .

26836 - وقال أبو يوسف مرة : يدخل عليها بغير إذن إلا أنه يتنحنح ، ويخفق نعليه ، ومرة قال : لا يدخل عليها إلا بإذن ، ولا يرى شيئا من محاسنها حتى يراجعها .

26837 - ولم يختلف أبو حنيفة ، وأصحابه : في أنها تتزين له ، وتتطيب ، وتلبس الحلي ، وتتشوف .

26838 - وقال الحسن بن حي : يعتزلها ، ولا يرى شعرها ، ولا ينظر إليها ، ويبيتان ، وبينهما حجاب ، وتتعرض له ، وتتزين .

26839 - وقال الليث : لا يرى شيئا من محاسنها حتى يراجع .

26840 - وذكر المزني ، عن الشافعي ، قال : المطلقة طلاقا - يملك رجعتها - محرمة على مطلقها تحريم المبتوتة حتى يراجع ، قال : ولا تكون رجعة إلا بالكلام ، فإن جامعها ينوي الرجعة أو لا ينوي ، فليس برجعة ، ولها عليه مهر المثل .

[ ص: 62 ] 26841 - قال أبو عمر : لا أعلم أحدا أوجب عليه مهر المثل إلا الشافعي - والله أعلم - وليس قوله بالقوي ; لأنهما في حكم الزوجين ترثه ويرثها . فكيف يجب مهر في وطء امرأة حكمها في أكثر أحكامها حكم الزوجة ؟ ! لأن الشبهة في قوله فرية ; لأنها عليه محرمة إلا برجعته لها ، وقد أجمعوا أن الموطوءة بشبهة يجب لها المهر ، وحسبك بهذا .

26842 - وقال ابن القاسم ، عن مالك : إذا وطئها في العدة ، وهو يريد الرجعة ، وجهل أن يشهد ، فهي رجعة ، وإلا فليست برجعة .

26843 - وقال : ينبغي للمرأة أن تمنعه الوطء حتى يشهد .

26844 - وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : إن وطئها ، أو لمسها لشهوة أو نظر إلى فرجها لشهوة ، فهي رجعية .

26845 - وقول الثوري : ينبغي أن يشهد .

26846 - وقال ابن أبي ليلى : إذا راجع ، ولم يشهد صحت الرجعة إذا أقرت .

26847 - وكذلك قول مالك .

26748 - وروى الوليد بن مسلم ، عن مالك : أن القبلة ، والنظر إلى الفرج لا تقع به رجعة .

[ ص: 63 ] 26849 - وكذلك قال الليث .

26850 - وقال الحسن بن حي : الجماع ، واللمس بعدد ، والنظر إلى الفرج ليس برجعة .

26851 - وقال أبو عمر : لم يختلفوا فيمن باع جاريته بالخيار له ، ثم وطئها في أيام الخيار أنه قد ارتجعها بذلك إلى ملكه . واختار نقض البيع بفعله ذلك ، وللمطلقة الرجعية حكم من ذلك .

26852 - وقال مالك ، والشافعي : لا يسافر بها حتى يراجعها .

26853 - وقد قال أبو حنيفة ، وأصحابه ، إلا زفر ، فإنه روى عنه الحسن بن زياد أن له أن يسافر بها قبل الرجعة .

26854 - وروى عنه عمرو بن خالد : لا يسافر بها حتى يراجع .

26855 - وأما قول سعيد بن المسيب ، قال : إذا طلقها في بيت بكراء ، فعليه الكراء ، فإن لم يجد فعليها ، فإن لم تجد ، فعلى الأمير ، فالمعنى عندي فيه - والله أعلم - أن الكراء عليه والإسكان كما عليه النفقة ، وظاهر القرآن قد صرح بالإسكان في قوله تعالى : أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم [ الطلاق : 6 ] ، فلما لم يجد سقط ذلك عنه ، والله أعلم .

26856 - وقد يحتمل أن تكون زوجته إذا أدت الكراء أن تنصرف به عليه ; لأن من لزمه شيء في اليسر لزم ذمته في العسر .

[ ص: 64 ] 26857 - ويحتمل أن يكون لما لم يجد سقط عنه ذلك ، وانتقل إليها ; بدليل قوله - عز وجل - : لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن [ الطلاق : 1 ] . ففرض عليهن أن لا يخرجن ، كما فرض عليهم أن لا تخرجوهن ، فلما انتقل إليها وجوب غرم الكراء لم يعد عليه ; لأنه إنما لزمه في حال اليسار .

26858 - وقد قال مالك في الحامل المبتوتة : أن لها على زوجها النفقة إن كان موسرا ، وإن كان معسرا فلا نفقة لها عليه .

26859 - وأما قوله : فعلى الأمير في ذلك ; لأن للفقراء ، والغارمين حقا في بيت المال في الصدقات ، فالحجة في ذلك قول الله - عز وجل - : إنما الصدقات للفقراء والمساكين . . . . . الآية [ التوبة : 60 ] .

26860 - وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من ترك مالا ، فلورثته ، ومن ترك دينا أو ضياعا أو عيالا ، فعلي " .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث