الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون

فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون .

فاء ( فقد كذبوا ) فصيحة ، أي فقد تبين أن إعراضهم إعراض تكذيب بعد الإخبار بأن سنتهم الإعراض عن الذكر الآتي بعضه عقب بعض ، فإن الإعراض كان لأنهم قد كذبوا بالقرآن . وأما الفاء في قوله ( فسيأتيهم ) فلتعقيب الإخبار بالوعيد بعد الإخبار بالتكذيب .

والأنباء : جمع نبأ ، وهو الخبر عن الحدث العظيم ، وتقدم عند قوله تعالى : ( ولقد جاءك من نبإ المرسلين ) في سورة الأنعام .

[ ص: 99 ] والأنباء : ظهور صدقها ، وليس المراد من الإتيان هنا البلوغ كالذي في قوله ( وهل أتاك نبأ الخصم ) ؛ لأن بلوغ الأنباء قد وقع فلا يحكى بعلامة الاستقبال في قوله : ( فسيأتيهم ) .

و ( ما ) في قوله : ( ما كانوا به يستهزئون ) يجوز أن تكون موصولة فيجوز أن يكون ماصدقها القرآن وذلك كقوله تعالى ( ولا تتخذوا آيات الله هزؤا ) ) . وجيء في صلته بفعل ( يستهزئون ) دون ( يكذبون ) لتحصل فائدة الإخبار عنهم بأنهم كذبوا به واستهزءوا به ، وتكون الباء في ( به ) لتعدية فعل ( يستهزئون ) ، والضمير المجرور عائدا إلى ( ما ) الموصولة ، وأنباؤه أخباره بالوعيد . ويجوز أن يكون ماصدق ( ما ) جنس ما عرفوا باستهزائهم به وهو التوعد ، كانوا يقولون : متى هذا الوعد ؟ ونحو ذلك .

وإضافة ( أنباء ) إلى ( ما كانوا به يستهزئون ) على هذا إضافة بيانية ، أي ما كانوا به يستهزئون الذي هو أنباء ما سيحل بهم .

وجمع الأنباء على هذا باعتبار أنهم استهزءوا بأشياء كثيرة منها البعث ، ومنها العذاب في الدنيا ، ومنها نصر المسلمين عليهم ( ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) ، ومنها فتح مكة ، ومنها عذاب جهنم ، وشجرة الزقوم ، وكان أبو جهل يقول : زقمونا . استهزاء .

ويجوز كون ( ما ) مصدرية ، أي أنباء كون استهزائهم ، أي حصوله ، وضمير ( به ) عائدا إلى معلوم من المقام ، وهو القرآن أو الرسول - صلى الله عليه وسلم .

والمراد بأنباء استهزائهم أنباء جزائه وعاقبته وهو ما توعدهم به القرآن في غير ما آية .

والقول في إقحام فعل ( كانوا ) هنا كالقول في إقحامه في قوله آنفا ( كانوا عنه معرضين ) ولكن أوثر الإتيان بالفعل المضارع وهو ( يستهزئون ) دون اسم الفاعل كالذي في قوله ( كانوا عنه معرضين ) ؛ لأن الاستهزاء يتجدد عند تجدد وعيدهم بالعذاب ، وأما الإعراض فمتمكن منهم .

[ ص: 100 ] ومعنى ( فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون ) على الوجه الأول أن يكون الإتيان بمعنى التحقق كما في قوله ( أتى أمر الله ) أي تحقق ، أي سوف تتحقق أخبار الوعيد الذي توعدهم به القرآن الذي كانوا يستهزئون به .

وعلى الوجه الثاني سوف تبلغهم أخبار استهزائهم بالقرآن ، أي : أخبار العقاب على ذلك ، وأوثر إفراد فعل ( يأتيهم ) مع أن فاعله جمع تكسير لغير مذكر حقيقي يجوز تأنيثه ؛ لأن الإفراد أخف في الكلام لكثرة دورانه

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث