الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لا يجوز القصر إلا أن يفارق موضع الإقامة

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - : ( ولا يجوز القصر إلا أن يفارق موضع الإقامة لقوله تعالى : { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } فعلق القصر على الضرب في الأرض ، فإن كان من أهل بلد لم يقصر حتى يفارق بنيان البلد ، فإن اتصل حيطان البساتين بحيطان البلد ففارق بنيان البلد جاز له القصر لأن البساتين ليست من البلد ، وإن كان من قرية وبجنبها قرية ففارق قريته جاز له القصر .

وقال أبو العباس : إن كانت القريتان متقاربتين فهما كالقرية الواحدة فلا يقصر حتى يفارقهما ، والمذهب الأول لأن إحدى القريتين منفردة عن الأخرى وإن كان من أهل الخيام ، فإن كانت خياما مجتمعة لم يقصر حتى يفارق جميعها ، وإن كانت متفرقة قصر إذا فارق ما يقرب من خيمته قال في البويطي : فإن خرجوا من البلد وأقاموا في موضع حتى يجتمعوا ويخرجوا لم يجز لهم القصر لأنهم لم يقطعوا بالسفر ، وإن قالوا : ننتظر يومين وثلاثة فإن لم يجتمعوا سرنا ، جاز لهم أن يقصروا لأنهم قطعوا بالسفر ) .

التالي السابق


( الشرح ) قال الشافعي والأصحاب - رحمهم الله : إن سافر من بلد له سور مختص به اشترط مجاوزة السور سواء كان داخله بساتين ومزارع أم لم يكن لأنه لا يعد مسافرا قبل مجاوزته ، فإذا فارق السور ترخص بالقصر وغيره بمجرد مفارقته ، حتى قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : إذا صار خارج البلد ترخص ، وإن كان ظهره إلى السور يعني ملصقا به ، ولا فرق بين أن يكون خارج السور دور ومقابر متصلة به أم لا ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه حكاه الرافعي وغيره أنه إن كان خارج السور دور أو [ ص: 226 ] مقابر ملاصقة اشترط مجاوزتها ، والصحيح الأول ، وعجب من الرافعي في المحرر ترجيحه الثاني مع ترجيحه الأول في الشرح والله أعلم .

فإن لم يكن للبلد سور أو كان له سور في بعضه ولم يكن في صوب مقصده فابتداء سفره بمفارقة العمران حتى لا يبقى بيت متصل ولا منفصل والخراب المتخلل للعمران معدود من البلد ، وكذا النهر الحائل بين جانبي بلد يشترط مجاوزة الجانب الآخر ، فإن كان في أطراف البلد مساكن خربت وخلت من السكان ولا عمارة وراءها ، فإن اتخذوا موضعها مزارع أو هجروه بالتحويط على العامر وذهبت أصول الحيطان لم يشترط مجاوزته بلا خلاف .

وإن لم يتخذوه مزارع ولا حوطوا على العامر وبقيت أصوله فوجهان : ( أحدهما ) : لا يشترط مجاوزته مطلقا لأنه ليس مسكونا فأشبه الصحراء ( والثاني ) : وهو الصحيح ، وبه قطع العراقيون أو جمهورهم والشيخ أبو محمد الجويني وغيره من الخراسانيين أنه يشترط لأنه يعد من البلاد .

أما البساتين والمزارع المتصلة بالبلد فلا يشترط مجاوزتها وإن كانت محوطة .

هذا هو الصحيح ، وبه قطع المصنف والجمهور في الطريقتين وحكى المتولي والرافعي وجها أنه يشترط ، وليس بشيء قال الرافعي : فإن كان في البساتين دور أو قصور يسكنها ملاكها بعض فصول السنة اشترط مجاوزتها .

هكذا قاله وفيه نظر ، ولم يتعرض له الجمهور ، والظاهر أنه لا يشترط لأنها ليست من البلد فلا تصير منه بإقامة بعض الناس فيها بعض الفصول .

قال أصحابنا : لو كان للبلد جانبان بينهما نهر كبغداد فعبر المنشئ للسفر من أحدهما إلى الآخر لم يجز القصر حتى يفارق البنيان في الجانب الثاني .

لأنهما بلد واحد .

قال القاضي أبو الطيب : ولهذا قال أصحابنا : لو كان بين الجانبين ميدان لم يقصر حتى يجاوز جميع بنيان الجانب الآخر ، وكذا نقله الشيخ أبو حامد أيضا عن الأصحاب ولا خلاف فيه .

هذا حكم البلدة الكبيرة ، وأما القرية الصغيرة فقال الرافعي : لها حكم البلدة في كل ما ذكرناه فلا يشترط فيها مجاوزة المزارع المحوطة ولا البساتين .

هذا هو الصواب الذي قاله العراقيون وغيرهم ، وشذ الغزالي عن الأصحاب فقال : إن كانت البساتين أو المزارع محوطة اشترط مجاوزتها وقال إمام الحرمين [ ص: 227 ] لا يشترط مجاوزة المزارع المحوطة ولا البساتين غير المحوطة ، ويشترط مجاوزة البساتين المحوطة .

هذا كلام الرافعي ، والمذهب أن القرية كالبلدة فلا يشترط مجاوزة البساتين والمزارع المحوطة ، ويجيء فيها وجه المتولي أما إذا كانت قريتان ليس بينهما انفصال فهما كمحلتين من قرية فيشترط مجاوزتهما بالاتفاق ، وقد نبه عليه المصنف بقوله : لأن إحدى القريتين منفردة عن الأخرى قال إمام الحرمين وفيه احتمال وإن انفصلت إحداهما عن الأخرى فجاوز قريته جاز القصر ، سواء قربت الأخرى منها أم بعدت .

وقال ابن سريج إذا تقاربتا اشترط مفارقتهما والصحيح عند الأصحاب هو الأول .

وقال صاحب الحاوي : حتى لو كان بينهما ذراع لم يشترط مجاوزة الأخرى ، بل يقصر بمفارقة قريته .

قال الرافعي : ولو جمع سور قرى متفاصلة لم يشترط مجاوزة السور ، وكذا لو قدر ذلك في بلدتين متقاربتين ، ولهذا قلنا أولا : إن ارتحل من بلدة لها سور مختص بها ، وأما المقيم في الصحراء فيشترط مفارقته للبقعة التي يكون فيها رحله وينسب إليه فإن سكن واديا وسار في عرضه فلا بد من مجاوزة عرضه ، نص عليه الشافعي ، قال الأصحاب هذا محمول على الاتساع المعتاد في الأودية ، فإن أفرطت سعته لم يشترط إلا مجاوزة القدر الذي يعد موضع نزوله أو موضع الحلة التي هو منها ، كما لو سافر في طول الوادي فإنه يكفيه ذلك القدر بلا خلاف .

وقال القاضي أبو الطيب : كلام الشافعي على ظاهره ويشترط مجاوزة عرضه مطلقا ، وجانبا الوادي كسور البلد ، والمذهب الأول وبه قطع الجمهور ، ولو كان نازلا في ربوة اشترط أن يهبط منها ، وإن كان في وهدة اشترط أن يصعد ، وهذا إذا كانتا معتدلتين كما ذكرنا في الوادي ، ولا فرق في اعتبار مجاوزة عرض الوادي والهبوط والصعود ، بين المنفرد في خيمة ، ومن هو في جماعة أهل خيام ، على التفصيل المذكور .

قال أصحابنا : ولو كان من أهل خيام فإنما يترخص إذا فارق الخيام كلها مجتمعة كانت أو متفرقة إذا كانت حلة واحدة ، وهي بمنزلة أبنية البلد ، ولا يشترط مفارقته لحلة أخرى بل الحلتان كبلدتين متقاربتين ، وضبط الصيدلاني التفرق الذي لا يؤثر بأن يكونوا بحيث يجتمعون للسمر في ناد [ ص: 228 ] واحد ; ويستعير بعضهم من بعض ; فإن كانوا هكذا فهي حلة واحدة قال أصحابنا .

ويشترط مع مجاوزته الخيام مجاوزة مرافقها كمطرح الرماد ; وملعب الصبيان والنادي ومراح الإبل لأنها من موضع إقامتهم ; ولنا وجه شاذ ضعيف أنه لا يشترط مفارقة الخيام بل يكفي مفارقة خيمته ; حكاه الرافعي وغيره .

( فرع ) في مذاهب العلماء ذكرنا أن مذهبنا أنه إذا فارق بنيان البلد قصر ، ولا يقصر قبل مفارقتها وإن فارق منزله وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وجماهير العلماء ، وحكى ابن المنذر عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرا فصلى بهم ركعتين في منزله ، وفيه الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب ابن مسعود ، قال : وروينا معناه عن عطاء وسليمان بن موسى قال : وقال مجاهد : لا يقصر المسافر نهارا حتى يدخل الليل ، قال ابن المنذر : لا نعلم أحدا وافقه .

وحكى القاضي أبو الطيب وغيره عن مجاهد أنه قال : إن خرج بالنهار لم يقصر حتى يدخل الليل وإن خرج بالليل لم يقصر حتى يدخل النهار ، وعن عطاء أنه قال : إذا جاوز حيطان داره فله القصر ، فهذان المذهبان فاسدان فمذهب مجاهد منابذ للأحاديث الصحيحة في قصر النبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة حين خرج من المدينة ، ومذهب عطاء وموافقيه منابذ لاسم السفر .

( فرع ) إذا فارق بنيان البلد ثم رجع لحاجة فله أحوال ( أحدها ) : أن لا يكون ذلك البلد وطنه ، ولا أقام فيه ، فلا يصير مقيما بالرجوع ولا بدخوله ، بل له الترخص بالقصر وغيره ، في رجوعه ، وفي نفس البلد ( الثاني ) أن يكون وطنه فليس له الترخص في رجوعه ، وإنما يترخص بعد مفارقته ثانيا ، هكذا نص عليه الشافعي ، وقطع به الجمهور ، وحكى البندنيجي والرافعي وجها أنه يترخص في رجوعه لا في البلد ، وهو شاذ ضعيف ( الثالث ) أن لا يكون وطنه لكنه أقام فيه مدة فهل له الترخص في رجوعه فيه وجهان : حكاهما إمام الحرمين وآخرون ( أصحهما ) يترخص لأنه مسافر غير ناوي الإقامة ، صححه إمام الحرمين والغزالي ، وقطع به البندنيجي والقاضي أبو الطيب ، ونقله عن الأصحاب والمتولي ( والثاني ) لا يترخص ، [ ص: 229 ] وقطع به البغوي لأنه عائد إلى ما كان عليه وحيث قلنا لا يترخص إذا عاد فنوى العود ولم يعد لم يترخص بل صار بالنية مقيما ، وسواء زمن الرجوع وزمن الحصول في البلد في الحالتين ، فحيث ترخص يترخص فيهما ، وحيث لا يجوز لا يجوز فيهما ; هذا كله إذا لم يكن من موضع الرجوع إلى الوطن مسافة القصر فإن كانت فهو مسافر فيترخص بلا خلاف .

( فرع ) لو خرجوا من البلد وأقاموا في موضع بنية انتظار رفقتهم على أنهم إن خرجوا ساروا كلهم ، وإلا رجعوا وتركوا السفر لم يجز لهم القصر لأنهم لم يجزموا بالسفر ، وهذه صورة المسألة التي نقلها المصنف عن نصه في البويطي ، فأما إذا قال : ننتظره يومين وثلاثة ، فإن لم يخرجوا سرنا ، فلهم القصر لأنهم جزموا بالسفر .

( فرع ) في انتهاء السفر الذي تنقطع به الرخص قال أصحابنا : يحصل ذلك بثلاثة أمور ( الأول ) العود إلى الوطن ، قال أصحابنا ; وضابطه أن يعود إلى الموضع الذي شرطنا مفارقته في إنشاء السفر منه فبمجرد وصوله تنقطع الرخص .

قال أصحابنا : وفي معنى الوطن الوصول إلى الموضع الذي سافر إليه إذا عزم على الإقامة فيه القدر المانع من الترخص ، فلو لم ينو الإقامة به ذلك القدر فقولان حكاهما البغوي وغيره ( أصحهما ) لا ينقطع ترخصه ; بل يترخص فيه لأن حكم السفر مستمر حتى يقطعه بإقامة أو نية ، وبهذا قطع البندنيجي وآخرون وهو مقتضى كلام الباقين ، وصححه البغوي والرافعي ( والثاني ) : ينقطع كالوطن ، وبه قطع الشيخ أبو حامد ، ولو حصل في طريقه في قرية أو بلدة له بها أهل وعشيرة وليس هو مستوطنها الآن فهل ينتهي سفره بدخولها ؟ فيه قولان مشهوران ( أصحهما ) لا ينتهي ، بل له الترخيص فيها لأنه ليس مقيما ، وبهذا قطع الشيخ أبو حامد والبندنيجي والقاضي أبو الطيب .

ولو مر في سفره بوطنه بأن خرج من مكة إلى مسافة القصر في جهة المشرق ونوى أنه يرجع إليها ويخرج منها من غير إقامة فطريقان ( المذهب ) وبه قطع الجمهور : أنه يصير مقيما بدخولها لأنه في وطنه فكيف يكون مسافرا ؟ ( والثاني ) وبه قال الصيدلاني وغيره فيه القولان ، كبلد [ ص: 230 ] أهله وعشيرته ، فعلى أحدهما العود إلى الوطن ولا يقتضي انتهاء السفر إلا إذا عزم على الإقامة .

( الأمر الثاني ) نية الإقامة ( والثالث ) : صورة الإقامة ، وقد ذكرهما المصنف بعد هذا وسنشرحهما إن شاء الله تعالى .

( فرع ) قال البندنيجي وغيره : لو خرج إنسان من المدينة واليا على مكة وأراد الحج وأحرم به قصر في طريقه ما لم يدخل مكة فإذا دخلها انقطع سفره ولم يجز له القصر في خروجه إلى عرفات ومنى ، فإن عزل عن الولاية لم يكن له القصر حتى يخرج من مكة بنية السفر إلى مسافة القصر ، وإن ولي بلادا كثرة فخرج إليها ونيته المقام في بعضها جاز له القصر في كل بلد يدخله غير بلد الإقامة ، إلا أن ينوي إقامة أربعة أيام ، لأن { النبي صلى الله عليه وسلم " كان يدخل مكة وغيرها مما في ولايته ويقصر " } .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث