الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الآية الثانية قوله تعالى : { ليلة القدر خير من ألف شهر } : فيها ثلاث مسائل :

المسألة الأولى في سبب هبتها لهذه الأمة والمنة عليهم ، وفي ذلك ثلاثة أقوال : الأول : أنه فضل من ربك .

الثاني أنه { ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما أربعة من بني إسرائيل ، فقال : عبدوا الله ثمانين عاما لم يعصوه طرفة عين ، فذكر أيوب وزكريا ، وحزقيل بن العجوز ، ويوشع بن نون ، فعجب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ، فأتاه جبريل ، فقال : يا محمد ، عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوا الله طرفة عين ، فقد أنزل الله عليك خيرا من ذلك ، ثم قرأ : { إنا أنزلناه في ليلة القدر } وهذا أفضل مما عجبت أنت وأمتك منه . قال : فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم } .

الثالث : قال مالك في الموطأ من رواية ابن القاسم وغيره عنه : سمعت من أثق به يقول : { إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمار الأمم قبله ، فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر ، فأعطاه الله ليلة القدر ، وجعلها خيرا من ألف شهر } .

[ ص: 371 ] قال القاضي : والصحيح هو الأول : أن ذلك فضل من الله ، ولقد أعطيت أمة محمد من الفضل ما لم تعطه أمة في طول عمرها ، فأولها أن كتب لها خمسون صلاة بخمس صلوات ، وكتب لها صوم سنة بشهر رمضان ، بل صوم سنة بثلاثين سنة في رواية عبد الله بن عمر وحسبما بيناه في الصحيح ، وطهر مالها بربع العشر ، وأعطيت خواتيم سورة البقرة من قرأها في ليلة كفتاه يعني عن قيام الليل ، وكتب لها أن من صلى الصبح في جماعة فكأنما قام ليلة ، ومن صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف ليلة . فهذه ليلة ونصف في كل ليلة ; إلى غير ذلك مما يطول تعداده .

ومن أفضل ما أعطوا ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ; وهذا فضل [ لا يوازيه فضل ] ، ومنة لا يقابلها شكر .

المسألة الثانية روي فيها قول رابع أخرجه الترمذي وغيره أن محمود بن غيلان حدثه قال : حدثنا أبو داود الطيالسي قال : حدثنا القاسم بن الفضل الحداني عن يوسف بن سعد قال : { قام رجل إلى الحسن بن علي بعدما بايع معاوية ، فقال : سودت وجوه المؤمنين أو يا مسود وجوه المؤمنين ، فقال : لا تؤنبني رحمك الله ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم أري بني أمية على منبره ، فساءه ذلك ، فنزلت : { إنا أعطيناك الكوثر } يعني نهرا في الجنة ، ونزلت : { إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر } يملكها بنو أمية يا محمد ، قال القاسم : فعددناها فإذا هي ألف لا تزيد يوما ولا تنقص يوما } .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث