الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 401 ] سورة تبت [ وفيها ثلاث مسائل ] . المسألة الأولى في سبب نزولها : روى البخاري وغيره عن ابن عباس من طريق الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير [ عنه ] قال : { لما نزلت : { وأنذر عشيرتك الأقربين } ورهطك منهم المخلصين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا وهتف : يا صباحاه فقالوا : من هذا ؟ فاجتمعوا إليه ، فقال : أنا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل ، وأن العدو مصبحكم أو ممسيكم ، أكنتم مصدقي ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذبا . قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . فقال أبو لهب : ألهذا جمعتنا ؟ تبا لك ، فأنزل الله عز وجل : { تبت يدا أبي لهب وتب } . إلى آخرها } .

هكذا قرأها الأعمش علينا يومئذ ، زاد الحميدي وغيره : { فلما سمعت امرأته ما نزل في زوجها وفيها من القرآن ، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة ، ومعه أبو بكر رضي الله عنه وفي يدها فهر من حجارة ، فلما وقفت عليه أخذ الله ببصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تر إلا أبا بكر . فقالت : يا أبا بكر ، أين صاحبك ؟ فقد بلغني أنه يهجوني ، فوالله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه ، والله إني لشاعرة :

مذمما عصينا وأمره أبينا     ودينه قلينا

ثم انصرفت . فقال أبو بكر : يا رسول الله ، أما تراها رأتك ؟ قال : ما رأتني ، لقد أخذ الله ببصرها عني
} .

وكانت قريش إنما تسمي النبي صلى الله عليه وسلم مذمما ، ثم يسبونه ، فكان يقول : ألا تعجبون لما يصرف الله عني من أذى قريش يسبون ويهجون مذمما وأنا محمد . [ ص: 402 ]

المسألة الثانية قوله : { تبت يدا أبي لهب وتب } : اسمه عبد العزى ، واسم امرأته العوراء أم جميل ، أخت أبي سفيان بن حرب ، فظن قوم أن هذا دليل على جواز تكنية المشرك ، حسبما بيناه في سورة طه في قوله : { فقولا له قولا لينا } " يعني كنياه على أحد الأقوال .

وهذا باطل ; إنما كناه الله تعالى عند العلماء بمعان أربعة : الأول أنه [ لما ] كان اسمه عبد العزى ، فلم يضف الله العبودية إلى صنم في كتابه الكريم .

الثاني : أنه كان تكنيته أشهر منه باسمه ; فصرح به .

الثالث أن الاسم أشرف من الكنية ، فحطه الله عن الأشرف إلى الأنقص ; إذ لم يكن بد من الخيار عنه ، ولذلك دعا الله أنبياءه بأسمائهم ، ولم يكن عن أحد منهم .

ويدلك على شرف الاسم [ على الكنية ] أن الله يسمي ولا يكني وإن كان ذلك لظهوره وبيانه واستحالة نسبة الكنية إليه لتقدسه عنها .

الرابع أن الله تعالى أراد أن يحقق نسبه بأن يدخله النار ، فيكون أبا لها ، تحقيقا للنسب ، وإمضاء للفأل والطيرة التي اختار لنفسه [ لذلك ] .

وقد قيل : إن أهله إنما كانوا سموه أبا لهب لتلهب وجهه وحسنه ; فصرفهم الله عن أن يقولوا له : أبو نور ، وأبو الضياء ، الذي هو مشترك بين المحبوب والمكروه وأجرى على ألسنتهم أن يضيفوه إلى اللهب الذي هو مخصوص بالمكروه والمذموم ، وهو النار ، ثم تحقق ذلك فيه بأن جعلها مقره .

المسألة الثالثة مرت في هذه السورة قراءتان : إحداهما قوله : " وأنذر عشيرتك الأقربين . ورهطك منهم المخلصين " . والثانية قوله تعالى : تبت يدا أبي لهب وقد تب .

وهما شاذتان ، وإن كان العدل رواهما عن العدل ، ولكنه كما بينا لا يقرأ إلا بما بين الدفتين واتفق عليه أهل الإسلام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث