الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 404 ] سورة الفلق والناس [ فيهما ثلاث مسائل ] :

المسألة الأولى في سبب نزولهما : روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر حتى كان يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء ولا يفعله ، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث ، ثم قال : يا عائشة ، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه ؟ أتاني ملكان ، فجلس أحدهما عند رأسي ، والآخر عند رجلي قال الذي عند رأسي للذي عند رجلي : ما شأن الرجل ؟ قال : مطبوب . قال : ومن طبه ؟ قال : لبيد بن الأعصم . فقال : فبماذا ؟ قال : في مشط ومشاطة ، في جف طلعة ذكر ، تحت راعوفة في بئر ذروان . فجاء البئر واستخرجه } . انتهى الصحيح زاد غيره : { فوجد فيها إحدى عشر عقدة ، فنزل جبريل عليه السلام عليه بالمعوذتين إحدى عشر آية ، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة ، حتى انحلت العقد ، وقام كأنما أنشط من عقال } . أفادنيها شيخنا الزاهد أبو بكر بن أحمد بن علي بن بدران الصوفي .

المسألة الثانية قوله تعالى : { ومن شر غاسق إذا وقب } : روي أنه الذكر . وروي أنه الليل . وروي أنه القمر ، وذلك صحيح خرجه الترمذي .

ووجه أنه الذكر أو الليل لا يخفى . ووجه أنه القمر لما يتعلق به من جهة الجهل وعبادته واعتقاد الطبائعيين أنه يفعل الفاكهة أو تنفعل عنه ، أو لأنه إذا طلع بالليل انتشرت عنه الحشرات بالإذايات ، وهذا يضعف لأجل انتشارها بالليل أكثر من انتشارها بالقمر . وفيما ذكرنا ما يغني عن الزيادة عليه . [ ص: 405 ]

المسألة الثالثة روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { أنزلت علي آيات لم أر مثلهن ، فذكر السورتين : الفلق ، والناس } صححه الترمذي . وفي الصحيح واللفظ للبخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم { كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذتين قالت عائشة : فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن ، وأمسح بيد نفسه لبركتها } .

قلت للزهري : كيف ينفث ؟ قال : ينفث على يديه ويمسح بهما وجهه .

وقال ابن وهب : قال مالك : هما من القرآن . وقد بينا ذلك في كتاب المشكلين .

قال الإمام القاضي ابن العربي رضي الله عنه : قد أتينا على ما شرطنا في علوم القرآن حسب الإمكان على حال الزمان ، والله المستعان على عوارض لا تعارض ما بين معاش [ يراش ] ، ومساورة عدو أو هراش ، وسماع للحديث ليس له دفاع ، وطالب لا بد من مساعدته في المطالب ، إلى همم لأهل هذه الأقطار قاصرة ، وأفهام متقاصرة ، وتقاعد عن الاطلاع إلى بقاء الاستبصار ، واقتناع بالقشر عن اللباب ، وإقصار واجتزاء بالنفاية عن النقاوة ، وزهد في طريق الحقائق ، بيد أنه لم يسعنا والحالة هذه إلا نشر ما جمعناه ، ونثر ما وعيناه ، والإمساك عما لا يليق بهم ولا تبلغه إحاطتهم .

وكمل القول الموجز في التوحيد والأحكام ، والناسخ والمنسوخ ، من عريض بيانه ، وطويل تبيانه ، وكثير برهانه ، وبقي القول في علم التذكير وهو بحر ليس لمده حد ، ومجموع لا يحصره العد ، وقد كنا أملينا عليكم في ثلاثين سنة ما لو قيض له تحصيل لكانت له جملة تدل على التفصيل ، ولما ذهب [ به ] المقدار ، فسيعلم الغافل لمن عقبى الدار . والله المستعان ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين . [ قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله : انتهى القول في ذي القعدة سنة ثلاث وخمسمائة والحمد لله كثيرا كما هو أهله ] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث