الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب "

القول في تأويل قوله تعالى : ( فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ( 15 ) )

قال أبو جعفر : وفي الكلام متروك حذف ذكره ، اكتفاء بما ظهر عما ترك ، وهو" : فأرسله معهم" ، ( فلما ذهبوا به وأجمعوا ) ، يقول : وأجمع رأيهم ، وعزموا على ( أن يجعلوه في غيابة الجب ) . كما : - [ ص: 574 ]

18831 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو بن محمد ، عن أسباط ، عن السدي ، قوله : ( إني ليحزنني أن تذهبوا به ) ، الآية ، قال ، قال : لن أرسله معكم ، إني أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ( قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون ) ، فأرسله معهم ، فأخرجوه وبه عليهم كرامة ، فلما برزوا به إلى البرية أظهروا له العداوة ، وجعل أخوه يضربه ، فيستغيث بالآخر فيضربه ، فجعل لا يرى منهم رحيما ، فضربوه حتى كادوا يقتلونه ، فجعل يصيح ويقول : يا أبتاه! يا يعقوب ! لو تعلم ما صنع بابنك بنو الإماء ! فلما كادوا يقتلونه ، قال يهوذا أليس قد أعطيتموني موثقا أن لا تقتلوه؟ فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه ، فجعلوا يدلونه في البئر فيتعلق بشفير البئر .

فربطوا يديه ، ونزعوا قميصه ، فقال : يا إخوتاه! ردوا علي قميصي أتوارى به في الجب ! فقالوا : ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا تؤنسك ! قال : إني لم أر شيئا ، فدلوه في البئر ، حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت . وكان في البئر ماء فسقط فيه ، ثم أوى إلى صخرة فيها فقام عليها . قال : فلما ألقوه في البئر ، جعل يبكي ، فنادوه ، فظن أنها رحمة أدركتهم ، فلباهم ، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه ، فقام يهوذا فمنعهم ، وقال : قد أعطيتموني موثقا أن لا تقتلوه! وكان يهوذا يأتيه بالطعام .

وقوله : ( فلما ذهبوا به وأجمعوا ) فأدخلت "الواو" في الجواب ، كما قال امرؤ القيس : [ ص: 575 ]

فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل

فأدخل الواو في جواب"لما" ، وإنما الكلام : فلما أجزنا ساحة الحي ، انتحى بنا ، وكذلك : ( فلما ذهبوا وأجمعوا ) ، لأن قوله : "أجمعوا" هو الجواب .

وقوله : ( وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم ) ، يقول : وأوحينا إلى يوسف لتخبرن إخوتك ( بأمرهم هذا ) يقول : بفعلهم هذا الذي فعلوه بك ( وهم لا يشعرون ) يقول : وهم لا . يعلمون ولا يدرون .

ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عناه الله عز وجل بقوله : ( وهم لا يشعرون ) .

فقال بعضهم : عنى بذلك : أن الله أوحى إلى يوسف أن يوسف سينبئ إخوته بفعلهم به ما فعلوه : من إلقائه في الجب ، وبيعهم إياه ، وسائر ما صنعوا به من صنيعهم ، وإخوته لا يشعرون بوحي الله إليه بذلك .

ذكر من قال ذلك :

18832 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( وأوحينا إليه ) إلى يوسف .

18833 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا ) قال : أوحينا إلى يوسف : لتنبئن إخوتك .

18834 - . . . قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : ( وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ) [ ص: 576 ] قال : أوحي إلى يوسف وهو في الجب أن سينبئهم بما صنعوا ، وهم لا يشعرون بذلك الوحي

18835 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال مجاهد : ( وأوحينا إليه ) ، قال : إلى يوسف .

وقال آخرون : معنى ذلك : وأوحينا إلى يوسف بما إخوته صانعون به ، وإخوته لا يشعرون بإعلام الله إياه بذلك .

ذكر من قال ذلك :

18836 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ) ، بما أطلع الله عليه يوسف من أمرهم ، وهو في البئر .

18837 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : ( وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ) ، قال : أوحى الله إلى يوسف وهو في الجب أن ينبئهم بما صنعوا به ، وهم لا يشعرون بذلك الوحي .

18838 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن قتادة ، بنحوه إلا أنه قال : أن سينبئهم .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : أن يوسف سينبئهم بصنيعهم به ، وهم لا يشعرون أنه يوسف .

ذكر من قال ذلك :

18839 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : ( وهم لا يشعرون ) يقول : وهم لا يشعرون أنه يوسف .

18840 - حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا صدقة بن عبادة الأسدي ، عن أبيه ، قال : سمعت ابن عباس يقول : لما دخل إخوة [ ص: 577 ] يوسف فعرفهم وهم له منكرون ، قال : جيء بالصواع ، فوضعه على يده ، ثم نقره فطن ، فقال : إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف ، يدنيه دونكم ، وإنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجب! قال : ثم نقره فطن فأتيتم أباكم فقلتم : إن الذئب أكله ، وجئتم على قميصه بدم كذب! قال : فقال بعضهم لبعض : إن هذا الجام ليخبره بخبركم! قال ابن عباس : فلا نرى هذه الآية نزلت إلا فيهم : ( لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث