الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة

85 - الحديث الرابع : عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة ، وإذا كبر للركوع ، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك ، وقال : سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد . وكان لا يفعل ذلك في السجود } .

التالي السابق


اختلف الفقهاء في رفع اليدين في الصلاة على مذاهب متعددة . فالشافعي قال بالرفع في هذه الأماكن الثلاثة . أعني في افتتاح الصلاة والركوع والرفع من الركوع . وحجته : هذا الحديث . وهو من أقوى الأحاديث سندا . وأبو حنيفة لا يرى الرفع في غير الافتتاح . وهو المشهور عند أصحاب مالك . والمعمول به عند المتأخرين منهم . واقتصر الشافعي على الرفع في هذه الأماكن الثلاثة لهذا الحديث . وقد ثبت الرفع عند القيام من الركعتين . وقياس نظره : أن يسن الرفع في ذلك المكان أيضا ; لأنه لما قال بإثبات الرفع في الركوع والرفع منه - لكونه زائدا على من روى الرفع عند التكبير فقط - وجب أيضا أن يثبت الرفع عند القيام من [ ص: 239 ] الركعتين . فإنه زائد على من أثبت الرفع في هذه الأماكن الثلاث فقط . والحجة واحدة في الموضعين :

وأول راض سيرة من يسيرها

.

والصواب - والله أعلم - استحباب الرفع عند القيام من الركعتين ، لثبوت الحديث فيه . وأما كونه مذهبا للشافعي - لأنه قال : إذا صح الحديث فهو مذهبي ، أو ما هذا معناه - ففي ذلك نظر . ولما ظهر لبعض الفضلاء المتأخرين من المالكية قوة الرفع في الأماكن الثلاثة على حديث ابن عمر : اعتذر عن تركه في بلاده فقال : وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه فيهما - أي في الركوع والرفع منه - ثبوتا لا مرد له صحة ، فلا وجه للعدول عنه ، إلا أن في بلادنا هذه يستحب للعالم تركه ; لأنه إن فعله نسب إلى البدعة ، وتأذى في عرضه ، وربما تعدت الأذية إلى بدنه . فوقاية العرض والبدن بترك سنة : واجب في الدين .

وقوله " حذو منكبيه " هو اختيار الشافعي في منتهى الرفع ، وأبو حنيفة اختار الرفع إلى حذو الأذنين وفيه حديث آخر يدل عليه ، ورجح مذهب الشافعي بقوة السند ، لحديث ابن عمر ، وبكثرة الرواة لهذا المعنى ، فروي عن الشافعي أنه قال : وروى هذا الخبر بضعة عشر نفسا من الصحابة ، وربما سلك طريق الجمع . فحمل خبر ابن عمر على أنه رفع يديه حتى حاذى كفاه منكبيه . والخبر الآخر : على أنه رفع يديه حتى حاذت أطراف أصابعه أذنيه . وقيل : إنه رويت رواية من حديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ، ويحاذي بإبهاميه أذنيه } .

واختلف أصحاب الشافعي متى يبتدئ التكبير ؟ فمنهم من قال : يبتدئ التكبير مع ابتداء رفع اليدين ، ويتم التكبير مع انتهاء إرسال اليدين . ونسب هذا إلى رواية وائل بن حجر . وقد نقل في رواية وائل بن حجر " استقبل النبي صلى الله عليه وسلم وكبر فرفع يديه حتى حاذى بهما أذنيه " وهذه الرواية لا تدل على ما نسب إلى رواية وائل بن حجر ، وفي رواية لأبي داود فيها بعض مجهولين ، لفظها أنه { رأى رسول [ ص: 240 ] الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مع التكبير } وهذا أقرب في الدلالة . وفي رواية أخرى لأبي داود - فيها انقطاع - أنه { أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قام إلى الصلاة رفع يديه ، حتى كانتا بحيال منكبيه ، وحاذى بإبهاميه أذنيه . ثم كبر } وفي رواية أخرى أجود من هاتين { وكان إذا كبر رفع يديه } وهذه محتملة ; لأنا إذا قلنا : فلان فعل : احتمل أن يراد شرع في الفعل . ويحتمل : أن يراد فرغ منه . ويحتمل أن يراد : جملة الفعل . ومن أصحاب الشافعي من قال : يرفع اليدين غير مكبر . ثم يبتدئ التكبير مع ابتداء الإرسال ، ثم يتم التكبير مع تمام الإرسال . وينسب هذا إلى رواية أبي حميد الساعدي . ومنهم من قال : يرفع اليدين غير مكبر ، ثم يكبر ثم يرسل اليدين بعد ذلك . وينسب هذا إلى رواية ابن عمر .

وهذه الرواية التي ذكرها المصنف ظاهرها عندي مخالف لما نسب إلى رواية ابن عمر ، فإنه جعل افتتاح الصلاة ظرفا لرفع اليدين . فإما أن يحمل الافتتاح على أول جزء من التكبير ، فينبغي أن يكون رفع اليدين معه . وصاحب هذا القول يقول : يرفع اليدين غير مكبر . وإما أن يحمل الافتتاح على التكبير كله . فأيضا لا يقتضي أن يرفع اليدين غير مكبر .

وقوله { وقال سمع الله لمن حمده ، ربنا لك الحمد } يقتضي جمع الإمام بين الأمرين . فإن الظاهر : أن ابن عمر إنما حكى وروى عن حالة الإمامة . فإنها الحالة الغالبة على النبي صلى الله عليه وسلم وغيرها نادر جدا . وإن حمل اللفظ على العموم دخل فيه المنفرد والإمام . وقد فسر قوله " سمع الله لمن حمده " أي استجاب الله دعاء من حمده ، وقد تقدم الكلام في إثبات الواو وحذفها .

وقوله " وكان لا يفعل ذلك في السجود " يعني الرفع . وكأنه يريد بذلك عند ابتداء السجود ، أو عند الرفع منه . وحمله على الابتداء أقرب . وأكثر الفقهاء على القول بهذا الحديث ، وأنه لا يسن رفع اليدين عند السجود . وخالف بعضهم في ذلك . وقال : يرفع ، لحديث ورد فيه . وهذا مقتضى ما ذكرناه في القاعدة . وهو القول بإثبات الزيادة وتقديمها على من نفاها أو سكت عنها . والذين تركوا الرفع في السجود سلكوا مسلك الترجيح لرواية ابن عمر في ترك الرفع في السجود ، والترجيح إنما يكون عند التعارض ، ولا تعارض بين رواية من أثبت الزيادة وبين [ ص: 241 ] من نفاها ، أو سكت عنها ، إلا أن يكون النفي والإثبات منحصرين في جهة واحدة . فإن ادعي ذلك في حديث ابن عمر والحديث الآخر ، وثبت اتحاد الوقتين : فذاك



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث