الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل "

[ القول في تأويل قوله تعالى : ( قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون ( 77 ) )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ( قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) ، يعنون أخاه لأبيه وأمه ، وهو يوسف ، كما : -

19596 - حدثنا الحسن بن محمد قال : حدثنا شبابة قال : حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ( إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) ، ليوسف .

19597 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

19598 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا عبد الله ، عن [ ص: 195 ] ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : ( إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) ، قال : يعني يوسف .

19599 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : ( فقد سرق أخ له من قبل ) ، قال : يوسف .

وقد اختلف أهل التأويل في " السرق " الذي وصفوا به يوسف .

فقال بعضهم : كان صنما لجده أبي أمه ، كسره وألقاه على الطريق .

ذكر من قال ذلك :

19600 - حدثنا أحمد بن عمرو البصري قال : حدثنا الفيض بن الفضل قال : حدثنا مسعر ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير : ( إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) ، قال : سرق يوسف صنما لجده أبي أمه ، كسره وألقاه في الطريق ، فكان إخوته يعيبونه بذلك .

19601 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : ( فقد سرق أخ له من قبل ) ذكر أنه سرق صنما لجده أبي أمه ، فعيروه بذلك .

19602 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) : أرادوا بذلك عيب نبي الله يوسف . وسرقته التي عابوه بها ، صنم كان لجده أبي أمه ، فأخذه ، إنما أراد نبي الله بذلك الخير ، فعابوه .

19603 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن [ ص: 196 ] ابن جريج في قوله : ( إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) ، قال : كانت أم يوسف أمرت يوسف يسرق صنما لخاله يعبده ، وكانت مسلمة .

وقال آخرون في ذلك ما : -

19604 - حدثنا به أبو كريب قال : حدثنا ابن إدريس قال : سمعت أبي قال : كان بنو يعقوب على طعام ، إذ نظر يوسف إلى عرق فخبأه ، فعيروه بذلك ( إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) .

وقال آخرون في ذلك بما : -

19605 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد أبي الحجاج قال : كان أول ما دخل على يوسف من البلاء ، فيما بلغني أن عمته ابنة إسحاق ، وكانت أكبر ولد إسحاق ، وكانت إليها [ صارت ] منطقة إسحاق وكانوا يتوارثونها بالكبر ، فكان من اختانها ممن وليها كان له سلما لا ينازع فيه ، يصنع فيه ما شاء . وكان يعقوب حين ولد له يوسف ، كان قد حضنه عمته فكان معها وإليها ، فلم يحب أحد شيئا من الأشياء حبها إياه . حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات ، ووقعت نفس [ ص: 197 ] يعقوب عليه ، أتاها فقال : يا أخية سلمي إلي يوسف ، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة ! قالت : فوالله ما أنا بتاركته ، والله ما أقدر أن يغيب عني ساعة ! قال : فوالله ما أنا بتاركه ! قالت : فدعه عندي أياما أنظر إليه وأسكن عنه ، لعل ذلك يسليني عنه أو كما قالت . فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه ، ثم قالت : لقد فقدت منطقة إسحاق ، فانظروا من أخذها ومن أصابها؟ فالتمست ، ثم قالت : كشفوا أهل البيت ! فكشفوهم ، فوجدوها مع يوسف ، فقالت : والله إنه لي لسلم ، أصنع فيه ما شئت . قال : وأتاها يعقوب فأخبرته الخبر ، فقال لها : أنت وذاك إن كان فعل ذلك ، فهو سلم لك ، ما أستطيع غير ذلك . فأمسكته فما قدر عليه حتى ماتت . قال : فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه : ( إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) .

قال ابن حميد . قال ابن إسحاق : لما رأى بنو يعقوب ما صنع إخوة يوسف ، ولم يشكوا أنه سرق ، قالوا أسفا عليه ، لما دخل عليهم في أنفسهم تأنيبا له : ( إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) . فلما سمعها يوسف قال : ( أنتم شر مكانا ) ، [ ص: 198 ] سرا في نفسه ( ولم يبدها لهم ) ( والله أعلم بما تصفون ) .

وقوله : ( فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون ) ، يعني بقوله : ( فأسرها ) ، فأضمرها .

وقال : ( فأسرها ) فأنث ، لأنه عنى بها " الكلمة " ، وهي : " ( أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون ) . ولو كانت جاءت بالتذكير كان جائزا ، كما قيل : ( تلك من أنباء الغيب ) [ سورة هود : 49 ] ، و ( ذلك من أنباء القرى ) ، [ سورة هود : 100 ]

وكنى عن " الكلمة " . ولم يجر لها ذكر متقدم . والعرب تفعل ذلك كثيرا ، إذا كان مفهوما المعنى المراد عند سامعي الكلام . وذلك نظير قول حاتم الطائي :


أماوي ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر

[ ص: 199 ]

يريد : وضاق بالنفس الصدر فكنى عنها ولم يجر لها ذكر ، إذ كان في قوله : " إذا حشرجت يوما " ، دلالة لسامع كلامه على مراده بقوله : " وضاق بها " . ومنه قول الله : ( ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ) [ سورة النحل : 110 ] ، فقال : " من بعدها " ، ولم يجر قبل ذلك ذكر لاسم مؤنث .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

19606 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ) ، أما الذي أسر في نفسه فقوله : ( أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون ) .

19607 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : ( فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون ) ، قال هذا القول .

19608 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : ( فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ) ، يقول : أسر في نفسه قوله : ( أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون ) .

وقوله : ( والله أعلم بما تصفون ) ، يقول : والله أعلم بما تكذبون فيما تصفون به أخاه بنيامين .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : [ ص: 200 ]

19609 - حدثنا الحسن بن محمد قال : حدثنا شبابة قال : حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : ( أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون ) ، يقولون : يوسف يقوله .

19610 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

19611 - حدثني المثنى قال : أخبرنا إسحاق قال : حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

19612 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( والله أعلم بما تصفون ) ، أي : بما تكذبون .

قال أبو جعفر : فمعنى الكلام إذا : فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ، قال : أنتم شر عند الله منزلا ممن وصفتموه بأنه سرق ، وأخبث مكانا بما سلف من أفعالكم ، والله عالم بكذبكم ، وإن جهله كثير ممن حضر من الناس .

وذكر أن الصواع لما وجد في رحل أخي يوسف تلاوم القوم بينهم ، كما : -

19613 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي قال : لما استخرجت السرقة من رحل الغلام انقطعت ظهورهم ، وقالوا : يا بني راحيل ، ما يزال لنا منكم بلاء! متى أخذت هذا الصوع؟ فقال بنيامين : بل بنو راحيل الذين لا يزال لهم منكم بلاء ، ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية! وضع هذا الصواع في رحلي ، الذي وضع الدراهم في رحالكم! فقالوا : لا تذكر الدراهم فنؤخذ بها! فلما دخلوا على يوسف دعا بالصواع فنقر فيه ، ثم أدناه من أذنه ، ثم قال : إن صواعي هذا ليخبرني أنكم كنتم اثني عشر رجلا وأنكم انطلقتم [ ص: 201 ] بأخ لكم فبعتموه . فلما سمعها بنيامين ، قام فسجد ليوسف ، ثم قال : أيها الملك ، سل صواعك هذا عن أخي ، أحي هو؟ فنقره ، ثم قال : هو حي ، وسوف تراه . قال : فاصنع بي ما شئت ، فإنه إن علم بي فسوف يستنقذني . قال : فدخل يوسف فبكى ، ثم توضأ ، ثم خرج فقال بنيامين : أيها الملك إني أريد أن تضرب صواعك هذا فيخبرك بالحق ، فسله من سرقه فجعله في رحلي؟ فنقره فقال : إن صواعي هذا غضبان ، وهو يقول : كيف تسألني من صاحبي ، وقد رأيت مع من كنت؟ قال : وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا ، فغضب روبيل ، وقال : أيها الملك ، والله لتتركنا أو لأصيحن صيحة لا يبقى بمصر امرأة حامل إلا ألقت ما في بطنها ! وقامت كل شعرة في جسد روبيل ، فخرجت من ثيابه ، فقال يوسف لابنه : قم إلى جنب روبيل فمسه . وكان بنو يعقوب إذا غضب أحدهم فمسه الآخر ذهب غضبه ، فمر الغلام إلى جنبه فمسه ، فذهب غضبه ، فقال روبيل : من هذا؟ إن في هذا البلد لبزرا من بزر يعقوب ! فقال يوسف : من يعقوب؟ فغضب روبيل فقال : يا أيها الملك لا تذكر يعقوب ، فإنه سري الله ، ابن ذبيح الله ، ابن خليل الله . قال يوسف : أنت إذا كنت صادقا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث