الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إنما النسيء زيادة في الكفر

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين )

قوله تعالى :( إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين )

وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : في " النسيء " قولان :

القول الأول : أنه التأخير ، قال أبو زيد : نسأت الإبل عن الحوض أنسؤها نسأ إذا أخرتها ، وأنسأته إنساء إذا أخرته عنه ، والاسم النسيئة والنسء ، ومنه : أنسأ الله فلانا أجله ، ونسأ في أجله ، قال أبو علي الفارسي : النسي مصدر كالنذير والنكير ، ويحتمل أيضا أن يكون نسيء بمعنى منسوء كقتيل : بمعنى مقتول ، إلا أنه لا يمكن أن يكون المراد منه ههنا المفعول ؛ لأنه إن حمل على ذلك كان معناه : إنما المؤخر زيادة في الكفر ، والمؤخر الشهر ، فيلزم كون الشهر كفرا ، وذلك باطل ، بل المراد من النسيء ههنا المصدر بمعنى الإنساء ، وهو التأخير ، وكان النسيء في الشهور عبارة عن تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر ، ليست له تلك الحرمة ، وروي عن ابن كثير من طريق شبل : النسء بوزن النفع وهو المصدر الحقيقي ، كقولهم : نسأت ، أي : أخرت ، وروي عنه أيضا : النسي مخففة الياء ، ولعله لغة في النسيء بالهمزة مثل : أرجيت وأرجأت ، وروي عنه : النسي مشدد الياء بغير همزة ، وهذا على التخفيف القياسي .

والقول الثاني : قال قطرب : النسيء أصله من الزيادة يقال : نسأ في الأجل وأنسأ إذا زاد فيه ، وكذلك قيل للبن النسء لزيادة الماء فيه ، ونسأت المرأة حبلت ، جعل زيادة الولد فيها كزيادة الماء في اللبن ، وقيل للناقة : نسأتها ، أي : زجرتها ليزداد سيرها ، وكل زيادة حدثت في شيء فهو نسيء قال الواحدي : الصحيح القول الأول ، وهو أن أصل النسيء التأخير ، ونسأت المرأة إذا حبلت لتأخر حيضها ، ونسأت الناقة أي : أخرتها عن غيرها ؛ لئلا يصير اختلاط بعضها ببعض مانعا من حسن المسير ، ونسأت اللبن إذا أخرته حتى كثر الماء فيه .

إذا عرفت هذين القولين فنقول : إن القوم علموا أنهم لو رتبوا حسابهم على السنة القمرية ، فإنه يقع حجهم تارة في الصيف وتارة في الشتاء ، وكان يشق عليهم الأسفار ، ولم ينتفعوا بها في المرابحات والتجارات ؛ لأن سائر الناس من سائر البلاد ما كانوا يحضرون إلا في الأوقات اللائقة الموافقة ، فعلموا أن [ ص: 46 ] بناء الأمر على رعاية السنة القمرية يخل بمصالح الدنيا ، فتركوا ذلك واعتبروا السنة الشمسية ، ولما كانت السنة الشمسية زائدة على السنة القمرية بمقدار معين ، احتاجوا إلى الكبيسة وحصل لهم بسبب تلك الكبيسة أمران :

أحدهما : أنهم كانوا يجعلون بعض السنين ثلاثة عشر شهرا بسبب اجتماع تلك الزيادات .

والثاني : أنه كان ينتقل الحج من بعض الشهور القمرية إلى غيره ، فكان الحج يقع في بعض السنين في ذي الحجة وبعده في المحرم وبعده في صفر ، وهكذا في الدور حتى ينتهي بعد مدة مخصوصة مرة أخرى إلى ذي الحجة ، فحصل بسبب الكبيسة هذان الأمران :

أحدهما : الزيادة في عدة الشهور .

والثاني : تأخير الحرمة الحاصلة لشهر إلى شهر آخر .

وقد بينا أن لفظ النسيء يفيد التأخير عند الأكثرين ، ويفيد الزيادة عند الباقين ، وعلى التقديرين فإنه منطبق على هذين الأمرين .

والحاصل من هذا الكلام : أن بناء العبادات على السنة القمرية يخل مصالح الدنيا ، وبناءها على السنة الشمسية يفيد رعاية مصالح الدنيا والله تعالى أمرهم من وقت إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ببناء الأمر على رعاية السنة القمرية ، فهم تركوا أمر الله في رعاية السنة القمرية ، واعتبروا السنة الشمسية رعاية لمصالح الدنيا ، وأوقعوا الحج في شهر آخر سوى الأشهر الحرم ، فلهذا السبب عاب الله عليهم وجعله سببا لزيادة كفرهم ، وإنما كان ذلك سببا لزيادة الكفر ؛ لأن الله تعالى أمرهم بإيقاع الحج في الأشهر الحرم ، ثم إنهم بسبب هذه الكبيسة أوقعوه في غير هذه الأشهر ، وذكروا لأتباعهم أن هذا الذي عملناه هو الواجب ، وأن إيقاعه في الشهور القمرية غير واجب ، فكان هذا إنكارا منهم لحكم الله مع العلم به وتمردا عن طاعته ، وذلك يوجب الكفر بإجماع المسلمين ، فثبت أن عملهم في ذلك النسيء يوجب زيادة في الكفر ، وأما الحساب الذي به يعرف مقادير الزيادة الحاصلة بسبب تلك الكبائس فمذكور في الزيجات ، وأما المفسرون فإنهم ذكروا في سبب هذا التأخير وجها آخر ، فقالوا : إن العرب كانت تحرم الشهور الأربعة ، وكان ذلك شريعة ثابتة من زمان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، وكان العرب أصحاب حروب وغارات ، فشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها ، وقالوا : إن توالت ثلاثة أشهر حرم لا نصيب فيها شيئا لنهلكن ، وكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه ويستحلون المحرم ، قال الواحدي : وأكثر العلماء على أن هذا التأخير ما كان يختص بشهر واحد ، بل كان ذلك حاصلا في كل الشهور ، وهذا القول عندنا هو الصحيح على ما قررناه ، واتفقوا أنه عليه السلام لما أراد أن يحج في سنة حجة الوداع عاد الحج إلى شهر ذي الحجة في نفس الأمر ، فقال عليه السلام : " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا " وأراد أن الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث