الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب جامع ما جاء في اليمين على المنبر

1436 [ ص: 87 ] 9 - باب جامع ما جاء في اليمين على المنبر

1401 - مالك ، عن داود بن الحصين ; أنه سمع أبا غطفان بن طريف المري يقول : اختصم زيد بن ثابت الأنصاري وابن مطيع في دار كانت بينهما ، إلى مروان بن الحكم ، وهو أمير على المدينة ، فقضى مروان على زيد بن ثابت باليمين على المنبر . فقال زيد بن ثابت : أحلف له مكاني . قال : فقال مروان : لا والله إلا عند مقاطع الحقوق ، قال فجعل زيد بن ثابت يحلف أن حقه لحق ، ويأبى أن يحلف على المنبر ، قال فجعل مروان بن الحكم يعجب من ذلك .

قال مالك : لا أرى أن يحلف أحد على المنبر ، على أقل من ربع دينار . وذلك ثلاثة دراهم .

التالي السابق


31922 - قال أبو عمر : جملة مذهب مالك في هذا الباب أن اليمين لا تكون عند المنبر من كل جامع ، ولا في الجامع حيث كان إلا في ربع دينار - ثلاث دراهم فصاعدا ، أو في عرض يساوي ثلاثة دراهم - وما كان دون ذلك حلف فيه في مجلس الحاكم ، أو حيث شاء من المواضع في السوق ، وغيرها .

31923 - قال مالك : يحلف المسلم في القسامة ، واللعان ، وفيما له بال من [ ص: 88 ] الحقوق على ربع دينار ، فصاعدا في جامع بلده في أعظم مواضعه ، وليس عليه التوجه إلى القبلة .

31924 - هذه رواية ابن القاسم .

31925 - وروى ابن الماجشون ، عن مالك أنه يحلف قائما مستقبل القبلة .

31926 - قال : ولا يعرف مالك اليمين عند المنبر إلا منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقط ، يحلف عنده في ربع دينار ، فأكثر .

31927 - قال مالك : ومن أبى أن يحلف على المنبر ، فهو كالناكل عن اليمين ، ويحلف في أيمان القسامة عند مالك إلى مكة كل من كان من عملها ، فيحلف بين الركن والمقام ، ويحلف في ذلك إلى المدينة من كان من عملها فيحلف عند المنبر .

31928 - ومذهب الشافعي في اليمين بين الركن والمقام بمكة ، وعند منبر النبي - عليه السلام - بالمدينة نحو مذهب مالك ، إلا أن الشافعي لا يرى اليمين عند المنبر بالمدينة ، ولا بين الركن والمقام بمكة ، إلا في عشرين دينارا ، فصاعدا .

31929 - وذكر عن سعيد بن سالم القداح ، عن ابن جريج ، عن عكرمة ، قال : أبصر عبد الرحمن بن عوف قوما يحلفون بين المقام والبيت ، فقال : أعلى دم ؟ قيل : لا ، فقال : على عظيم من الأموال ؟ قالوا : لا ، قال : لقد [ ص: 89 ] خشيت أن يتهاون الناس بهذا المقام .

31930 - هكذا رواه الحسن بن محمد الزعفراني ، عن الشافعي يتهاون الناس .

31931 - ورواه المزني ، والربيع في كتاب اليمين مع الشاهد ، فقالا فيه : لقد خشيت أن يبهأ الناس بهذا المقام ، وهو الصحيح عندهم .

31932 - ومعنى يبهأ يأنس الناس به ، يقال : بهأت به ، أي أنست به .

31933 - قال : ومنبر النبي - عليه السلام - في التعظيم مثل ذلك ; لما ورد فيه من الوعيد على من حلف عنده بيمين كاذبة تعظيما له .

31934 - قال الشافعي : وبلغني أن عمر بن الخطاب حلف عند المنبر في خصومة كانت بينه وبين رجل وأن عثمان ردت عليه اليمين على المنبر ، فافتدى منها ، وقال : أخاف أن يوافق قدر بلاء ، فيقال بيمينه .

31935 - قال الشافعي : واليمين على المنبر ما لا خلاف فيه عندنا بالمدينة ومكة في قديم ، ولا حديث .

31936 - قال أبو عمر : اليمين عند المنبر مذهب الشافعي ، وأصحابه في كل [ ص: 90 ] البلدان - قياسا على العمل من الخلف والسلف بالمدينة عند منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - .

31937 - قال الشافعي : وقد عاب قولنا هذا عائب ترك فيه موضع حجتنا ; لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والآثار بعده عن أصحابه ، وزعم أن زيد بن ثابت كان لا يرى اليمين على المنبر ، وإنا روينا ذلك عنه ، وخالفناه إلى قول مروان بن الحكم بغير حجة .

قال : وهذا مروان يقول لزيد - وهو عنده أحظى أهل زمانه وأرفعهم لديه منزلة - : لا والله ، إلا عند مقاطع الحقوق .

قال : فما منع زيد بن ثابت ، لو يعلم أن اليمين على المنبر حق - أن يقول لمروان ما هو أعظم من هذا وقد قال له : أتحل الربا يا مروان ؟ فقال مروان : أعوذ بالله ، وما هذا ؟ فقال : فالناس يتبايعون الصكوك قبل أن يقبضوها . فبعث مروان الحرس ينتزعونها من أيدي الناس ، فإذا كان مروان لا ينكر على زيد هذا ، فكيف ينكر على نفسه أن يلزمه اليمين على المنبر ؟ ! لقد كان زيد من أعظم أهل المدينة في عين مروان ، وآثرهم عنده ، ولكن زيدا علم أن ما قضى به مروان حق ، وكره أن تصبر يمينه عند المنبر .

31938 - قال الشافعي : وهذا الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا والذي نقل الحديث فيه كأنه تكلف لاجتماعنا على اليمين عند المنبر ، لقد كان زيد من أعظم أهل [ ص: 91 ] المدينة . . ، ثم ذكر أحاديث عن السلف من الصحابة في اليمين عند المنبر ؛ منها الحديث عن المهاجر بن أبي أمية ، قال : كتب إلي أبو بكر رضي الله عنه أن ابعث إلي بقيس بن مكشوح في وثاق ، فبعثت إليه به فجعل قيس يحلف ما قتل داذويه ، فأحلفه أبو بكر خمسين يمينا عند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالله ما قتله ، ولا علم له قاتلا ، ثم عفا عنه .

31939 - قال أبو عمر : وأما اختلاف الفقهاء في اليمين عند المنبر بالمدينة ، وغيرها من البلدان ، وبمكة بين الركن والمقام ، فقد ذكرنا عن مالك ، والشافعي في ذلك ما بان به ما ذهبا إليه هما ، وأصحابهما .

31940 - وقال ابن أبي أويس : قال مالك في الأيمان التي تكون بين الناس في الدماء ، واللعان ، والحقوق : لا يحلف فيها عند منبر إلا عند منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في القسامة في الدماء ، واللعان ، والحقوق فيما بلغ ثلاثة دراهم من الحقوق ، وأما سائر المساجد ، فإنهم يحلفون فيها ، ولا يحلفون عند منابرها .

31941 - وأما أبو حنيفة ، ذكر الجوزجاني ، وغيره ، عن أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد ، قالوا : لا يجب الاستحلاف عند منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - على أحد ، ولا بين [ ص: 92 ] الركن والمقام على أحد في قليل الأشياء ، ولا كثيرها ، ولا في الدماء ، ولا في غيرها ، ولكن الحكام يحلفون من وجبت عليه اليمين في مجالسهم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث