الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب النهي عن الاستنجاء باليمين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

152 [ ص: 141 ] 18 - باب: النهي عن الاستنجاء باليمين

153 - حدثنا معاذ بن فضالة قال: حدثنا هشام - هو الدستوائي- عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه". [154، 5630 - مسلم 267 - فتح: 1 \ 253]

التالي السابق


حدثنا معاذ بن فضالة، ثنا هشام - هو الدستوائي- عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه".

الكلام عليه من أوجه:

أحدها:

هذا الحديث قد ذكره بعد، وفي الأشربة أيضا، وأخرجه مسلم أيضا وباقي الجماعة، وفي "صحيح ابن خزيمة" التصريح لإخبار ابن أبي قتادة عن أبيه، وصح اتصاله وارتفع توهم من توهم تدليس يحيى فيه.

ثانيها: في التعريف برواته:

أما (أبو قتادة) فهو الحارث، وقيل: النعمان، وقيل: عمرو بن ربعي بن بلذمة بن خناس بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة، بكسر اللام، السلمي،بفتحها ويجوز في لغة كسرها، المدني فارس [ ص: 142 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهد أحدا والخندق وما بعدها، والمشهور أنه لم يشهد بدرا. روي له مائة حديث وسبعون حديثا، انفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثمانية، واتفقا على أحد عشر، ومناقبه جمة، مات بالمدينة، وقيل: بالكوفة، سنة أربع وخمسين على أحد الأقوال عن سبعين سنة، ولا نعلم في الصحابة من يكنى بهذه الكنية سواه.

وأما ولده عبد الله (ع) فهو أبو إبراهيم السلمي. روى عن أبيه، وعنه يحيى وغيره. مات سنة خمس وسبعين.

وأما (معاذ بن فضالة) فهو أبو زيد البصري، روى عن الثوري وغيره.

وعنه البخاري وغيره. وباقي رجاله سلف التعريف به.

الوجه الثالث:

التنفس هنا: خروج النفس من الفم، يقال: تنفس الرجل وتنفس الصعداء، وكل ذي رئة يتنفس، (وذوات) الماء لا رئات لها كما قاله الجوهري.

[ ص: 143 ] و(التمسح): الاستنجاء.

الوجه الرابع: في فوائده:

وهو حديث جامع لآداب نبوية.

الفائدة الأولى: كراهة التنفس في الإناء.

ووجهه: ما فيه من تقذير الماء والإناء بخروج شيء من (الفم أو الأنف بالنفس، والماء من ألطف المشارب وأقبلها للتغير بالريح، والنفس خارجه أحسن في الأدب وأبعد عن الشره وأخف) للمعدة، وإذا تنفس فيه تكاثر الماء في حلقه وأثقل معدته، وربما شرق وآذى كبده، وهو فعل البهائم. وقد قيل: إن في القلب بابين يدخل النفس من أحدهما ويخرج من الآخر (فنقى) ما على القلب من هم وقذى؛ ولذلك لو احتبس النفس ساعة هلك الآدمي، فكره التنفس في الإناء خشية أن يصحبه شيء مما (في) القلب فيقع في الماء ثم يشربه فقد يتأذى به. وقيل: علة الكراهة أن كل عبة شربة مستأنفة فيستحب الذكر في أولها والحمد في آخرها، فإذا وصل ولم يفصل بينهما؛ فقد أخل بعدة سنن.

[ ص: 144 ] الثانية: الإبانة هنا مطلقة وثبت في الحديث الآخر موصوفة بالتثليث.

واختلف العلماء في أي هذه الأنفاس الثلاثة أطول؟ على قولين؛ أحدهما: الأول. والثاني: أن الأولى أقصر، والثانية أزيد منها، والثالثة أزيد منها; ليجمع بين السنة والطب; لأنه إذا شرب قليلا قليلا وصل إلى جوفه من غير إزعاج؛ ولهذا جاء في الحديث: "مصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا؛ فإنه أهنأ وأمرأ وأبرأ".

[ ص: 145 ] ...........................

[ ص: 146 ] الثالثة: لا يختص النهي المذكور بالشرب، بل الطعام مثله فيكره النفخ فيه، والتنفس في معنى النفخ. وفي "جامع الترمذي" مصححا عن أبي سعيد الخدري أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل: القذاة أراها في الإناء؟ فقال: "أهرقها". قال: فإني لا أروى من نفس واحد. قال: "فأبن القدح إذا عن فيك".

وأما حديث أنس الثابت في الصحيحين أنه - صلى الله عليه وسلم -: كان يتنفس في الشراب ثلاثا. فمعناه: خارج الإناء، أو فعله بيانا للجواز، أو النهي خاص بغيره; لأن ما يتقذر من غيره يستطاب منه.

الرابعة: جواز الشرب من نفس واحد; لأنه إنما نهى عن التنفس في الإناء، والذي شرب في نفس واحد لم يتنفس فيه فلا يكون مخالفا للنهي، وكرهه جماعة وقالوا: هو شرب الشيطان. وفي الترمذي محسنا من حديث ابن عباس مرفوعا: "لا تشربوا واحدا كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاثا، وسموا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم رفعتم".

الخامسة: النهي عن مس الذكر باليمين؛ وذلك لاحترامها وصيانتها.

[ ص: 147 ] وهذا النهي للتنزيه عند الجمهور خلافا للظاهرية؛ حيث حرموا مس الإنسان ذكره فقط.

السادسة: النهي عن الاستنجاء باليمين، وخالف بعض الظاهرية فقال: لا يجزئ الاستنجاء به، وهو وجه لأصحاب الإمام أحمد؛ لاقتضاء النهي الفساد، وحكاه ابن بطال عن بعض الشافعية أيضا.

والذي قاله بعض الشافعية كصاحب "المهذب" وغيره التحريم فقط.

وعن مالك: أنه يسيء ويجزئه. ومن العلماء من خص النهي عن مس الذكر باليمين بحالة البول آخذا بالرواية الأخرى الآتية في تقييدها بذلك.

فرع:

إذا استنجى بالماء صبه بيمينه ومسح بيساره، وإذا استنجى بالحجر أمسك ذكره بيساره والحجر بيمينه وحرك اليسار ليخرج من النهيين.

فرع:

من كان في يده خاتم فيه اسم الله تعالى فلا يستنج وهو في يده; لأنه إذا نزهت اليمنى عن ذلك، فذكر الله أولى وأعظم، ورواية "العتبية" في ذلك منكرة لا يحل ذكرها.

السابعة: فضل التيامن.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث