الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( وأما المضبب بالذهب فإنه يحرم قليله وكثيره { لقوله صلى الله عليه وسلم في الذهب والحرير : إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثها } " فإن اضطر إليه جاز لما روي { أن عرفجة بن أسعد أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من ورق فأنتن عليه ، فأمره صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفا من ذهب } ) .

التالي السابق


( الشرح ) أما الحديث الأول فحديث صحيح رواه الترمذي من رواية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " { حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم } " قال الترمذي : حديث حسن صحيح . ورواه أبو داود والنسائي وغيرهما من رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه بإسناد حسن ، وليس في رواية أبي داود والنسائي ( حل لإناثها ) ، ووقع في رواية لغيرهما ، ورواه البيهقي وغيره من رواية عقبة بن عامر بلفظه في المهذب . والله أعلم . وأما حديث عرفجة فحديث حسن أيضا رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم بإسناد جيد ، قال الترمذي وغيره : هو حديث حسن ، وينكر على المصنف قوله ( روي ) بصيغة تمريض في حديث حسن ، وقد تقدم ذكرنا التنبيه على هذا في مقدمة الكتاب وبعدها ، وراوي حديث عرفجة هذا هو عرفجة رضي الله عنه .

[ ص: 311 ] وأما قوله صلى الله عليه وسلم : " إن هذين حرام " أي حرام استعمالهما في التحلي ونحوه ، والحل بكسر الحاء هو الحلال . وقوله : " يوم الكلاب " هو بضم الكاف وتخفيف اللام وهو يوم معروف من أيام الجاهلية كانت لهم فيه وقعة مشهورة ، والكلاب اسم لماء من مياه العرب كانت عنده الوقعة فسمي ذلك اليوم يوم الكلاب ، وقيل : عنده وقعتان مشهورتان ، يقال : فيهما الكلاب الأول والكلاب الثاني ، وقوله : " من ورق " هو بكسر الراء وهو الفضة وهذا لا خلاف فيه ، ممن صرح به ابن قتيبة ثم الخطابي وخلائق لا يحصون كلهم مصرحون بأنه ورق بكسر الراء ويوضحه أنه في رواية النسائي : " اتخذ أنفا من فضة ، " وكذا رواه الشافعي في الأم في باب ما يوصل بالرجل والمرأة من أبواب الطهارة ، وكذا رواه المصنف في المهذب في باب ما يكره لبسه .

واعلم أن كل ما كان على فعل مفتوح الأول مكسور الثاني جاز إسكان ثانيه مع فتح أوله وكسره فيصير فيه ثلاثة أوجه : كورق وورق وورق وكتف وكتف وكتف وورك وورك وأشباهه ، فإن كان الحرف الثاني أو الثالث حرف حلق جاز فيه أربعة أوجه : الثلاثة المذكورة ، والرابع بكسر أوله وثانيه كفخذ وفخذ وفخذ وفخذ . وحروف الحلق العين والغين والحاء والخاء والهاء والهمزة . وهذا إنما أذكره وإن كان ظاهرا لكثرة تكرره في هذا الكتاب وغيره فقد يتكلم به إنسان على بعض الأوجه الجائزة فيغلطه فيه من لا يعرف هذه القاعدة ، وقد رأيت ذلك . وبالله التوفيق .

وأما عرفجة الراوي فهو بفتح العين المهملة ، وأسعد بفتح الهمزة والعين ، وهو عرفجة بن أسعد بن كرب بن صفوان التميمي العطاردي رضي الله عنه .

أما حكم المسألة : فاعلم أن المضبب هو ما أصابه شق ونحوه فيوضع عليه صفيحة تضمه وتحفظه ، وتوسع الفقهاء في إطلاق الضبة على ما كان للزينة بلا شق ونحوه ، ثم المضبب بالذهب فيه طريقان : الصحيح منهما القطع بتحريمه سواء كثرت الضبة أو قلت لحاجة أو لزينة ، وبهذا قطع المصنف [ ص: 312 ] وصاحب الحاوي والجرجاني في كتابيه . والشيخ نصر في كتابه الكافي والعبدري في الكفاية وغيرهم من العراقيين ، ونقله البغوي عن العراقيين . والطريق الثاني وقاله الخراسانيون : إنه كالمضبب بالفضة على الخلاف والتفصيل المذكور فيه ، ونقله الرافعي عن معظم الأصحاب ; لأنه لما استويا في الإناء فكذا في الضبة ، والمختار الطريق الأول للحديث ، فإنه يقتضي تحريم الذهب مطلقا ، وأما ضبة الفضة فإنما أبيحت لحديث قبيعة السيف وضبة القدح وغير ذلك ، ولأن باب الفضة أوسع فإنه يباح منه الخاتم وغيره . والله أعلم . وأما قول المصنف : إن اضطر إلى الذهب جاز استعماله فمتفق عليه ، وقال أصحابنا : فيباح له الأنف والسن من الذهب ومن الفضة ، وكذا شد السن العليلة بذهب وفضة جائز ، ويباح أيضا الأنملة منهما ، وفي جواز الأصبع واليد منهما وجهان حكاهما المتولي أحدهما : يجوز كالأنملة وبه قطع القاضي حسين في تعليقه ، وأشهرهما لا يجوز وبه قطع الفوراني والروياني وصاحبا العدة والبيان ; لأن الأصبع واليد منهما لا تعمل عمل الأصلية بخلاف الأنملة . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث