الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

دلالة المطابقة والتضمن والالتزام

جزء التالي صفحة
السابق

[ دلالة المطابقة والتضمن والالتزام ]

والأول : أعني اللفظية تنقسم إلى عقلية كدلالة الصوت على حياة صاحبه ، وطبيعية كدلالة " أح " على وجع في الصدر ، ووضعية وتنحصر في ثلاثة : المطابقة والتضمن والالتزام ، لأن اللفظ إما أن يدل على تمام ما وضع له أولا .

والأول : المطابقة كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق ، والثاني إما أن يكون جزء مسماه أو لا والأول دلالة التضمن كدلالة الإنسان على الحيوان وحده أو الناطق وحده ، وكدلالة النوع على الجنس ، والثاني : أن يكون خارجا عن مسماه وهي دلالة الالتزام له كدلالته على الكاتب أو الضاحك ، ودلالة الفصل على الجنس ، وبهذا التقسيم تعرف حد كل واحد منها [ ص: 270 ]

وقد اجتمعت الدلالة في لفظ العشرة ، فإنها تدل على كمال الأفراد مطابقة على الخمسة تضمنا وعلى الزوجية التزاما .

والدليل على الحصر : أن المعنى من دلالة اللفظ على المعنى عند سماعه إما وحده كما في المطابقة ، وإما مع القرينة كما في التضمن والالتزام ، فلو فهم منه معنى عند سماعه ليس هو موضوعه ، ولا جزء موضوعه ، ولا لازمه لزم ترجيح أحد الجائزين على الآخر من غير مرجح ، لأن نسبة ذلك اللفظ إلى ذلك المعنى كنسبته إلى سائر المعاني ، ففهمه دون سائر المعاني ترجيح من غير مرجح .

وهنا تنبيهات [ التنبيه الأول ]

أن الإمام فخر الدين قيد دلالة التضمن والالتزام بقوله : " من حيث هو كذلك " واحترز به عن دلالة اللفظ على الجزء أو اللازم بطريق المطابقة إذا كان اللفظ مشتركا بين الكل والجزء أو بين الكل واللازم ، ويمثلونه بلفظ الإمكان ، فإنه موضوع للإمكان العام والخاص ، والعام جزء الخاص كما تقرر في المنطق من أن الممكن العام في مقابلة الممتنع ، فلذلك يطلق على الواجب وعلى ما ليس بممتنع ولا واجب الذي هو الممكن الخاص ، فهو حينئذ موضوع للكل والجزء .

قال بعض الفضلاء : وفي النفس من هذا التمثيل شيء فلعله ما وضع لذلك ، بل مجموع قولنا : إمكان عام لا أحدهما ، ومجموع قولنا : إمكان خاص لا قولنا إمكان فقط ، فلا اشتراك حينئذ .

قال : وأخذ التمثيل بأحسن [ ص: 271 ] من ذلك بلفظ الحرف ، فإنه موضوع لكل حروف المعاني ولجزئه ، فإن " ليت " مثلا حرف ، ولكل واحد من اللام والياء التاء يقال له : حرف فهذا هو اللفظ المشترك بين المسمى وجزئه ، وأما المشترك بين اللفظ ولازمه فهو عسر . مع إمكانه . انتهى . ويمكن أن يمثل له بلفظ " مفعل " فإن أهل اللغة نقلوا أنه اسم للزمان والمكان والمصدر ، وهي متلازمة عادة فيكون اللفظ موضوعا للشيء ولازمه ، إذ لا فعل إلا في زمان أو مكان عادة ، ومثله الصفي الهندي " بفعيل " المشترك بين الفاعل والمفعول ، كالرحيم فإنه يكون بمعنى المرحوم كما يكون بمعنى الراحم نص عليه الجوهري ، هو إذا دل على أحدهما بطريق المطابقة دل على الآخر بطريق الالتزام ، لكونه لازما له ، وهو أيضا تمام مسماه ، فلو لم يقل من حيث هو كذلك لزم أن تكون دلالة الالتزام دلالة المطابقة ، فلم يكن التعريف مانعا .

إذا عرف هذا فقد أورد على القيد الذي ذكره الإمام أنه يجب أن يعتبره أيضا في المطابقة احترازا عن دلالة اللفظ المشترك بين الكل والجزء ، وبين الكل واللازم على الجزء أو اللازم بطريق التضمن أو الالتزام ، فإن كل واحدة من هاتين الدلالتين حينئذ دلالة على تمام المسمى ، وليست مطابقة .

وقال الصفي الهندي : إنما لم يذكره فيها ، لأن دلالة التضمن والالتزام لا يمكن معرفتهما إلا بعد معرفة المطابقة ، لكونهما تابعين لها ، فلو جعل القيد المذكور جزءا من معرفة المطابقة للاحتراز عنها لزم أن يكونا معلومين قبل المطابقة ، فيلزم أن يكون الشيء معلوما قبل كونه معلوما ، وهو محال . قال : ولا يخفى عليك ما فيه .

وبعضهم حذف القيد المذكور في الثلاث اعتبارا بقرينة ذكر التمام والجزء [ ص: 272 ]

واللازم ، وصاحب " التحصيل " ذكره في الثلاث .

قال القرافي : وهو قيد لم يذكره أحد ممن تقدم الإمام ، وإنما اكتفى المتقدمون بقرينة التمامية والجزئية واللازمية ، فيقال للإمام : إن كانت هذه القرائن كافية فلا حاجة إلى القيد ، وإلا فيلزم الاحتياج إليه في الثلاث ، فما وجه تخصيص التضمن والالتزام ؟ فإنا نقول في المطابقة : كما يمكن وضع العشرة للخمسة ، يمكن وضعها للخمسة عشر ، فيصير له على جميع ذلك دلالتان مطابقة باعتبار الوضع الأول ، وتضمن باعتبار الثاني .

انتهى .

ويمكن أن يرد ما اعترض به على الإمام ، فإنه يرى أن لا يمكن أن يدل اللفظ الواحد على المعنى الواحد بالمطابقة مع التضمن أو الالتزام ، لأن دلالته على المعنى بالمطابقة بالذات وبهما بالواسطة ومن المحال اجتماع دلالتي الذات والواسطة ، وإذا لم يجتمعا كان اللفظ في حال الاشتراك بين الكل والجزء دلالة واحدة ، وهي المطابقة ، لأنها أقوى فتدفع الأضعف . وإذا صحت لك هذه القاعدة صح ما قاله ، ولم يحتج أن يذكر القيد بالحيثية في دلالة المطابقة ، لأنه في صورة الاشتراك بين الكل والجزء ، وليس للفظ إلا دلالة المطابقة فقط لا التضمن والالتزام ، فلم يحتج أن يحترز عنه بقوله : من حيث هو كذلك .

وأما في دلالة التضمن والالتزام فاحتاج إلى ذكر الحيثية ، وإلا كان يلزمه أن دلالة المطابقة على الجزء دلالة التضمن والالتزام في صورة المشترك بين الكل والجزء .

وبيانه : أن اللفظ إذ دل بالمطابقة على الجزء في تلك الصورة فقد دل على جزء المسمى دلالة التضمن فدلالة المطابقة ، دلالة التضمن هذا خلف ، ولا يلزم هذا على إطلاق دلالة المطابقة . [ ص: 273 ] وللبحث فيه محال ، فقد نازع بعضهم الإمام في هذا التقييد ، وقال : اللفظ إذا أطلق على الجملة فإن التضمن للجزء ثابت عند مراد المطلق المعنى المركب من ذلك الجزء وغيره ، فإن مدلول اللفظ هو جملة مشتملة على أجزاء كل واحد منها إنما فهم ضمنا وتبعا للجملة ، وإن كان للمستعمل أن يطلق ذلك اللفظ أيضا على الجزء ، ولكن عند دلالته بهذا الإطلاق على ذلك الجزء لا يكون جزءا من أجزاء ذلك المعنى ، بل مستقلا ، ونحن لا نريد بدلالة التضمن إلا أن يفهم الجزء تضمنا ، ويكون جزءا من أجزاء ذلك المعنى ، ولا تكون الدلالة لفظية لكن تبعية ، فإذا استقلت خرجت عن كونها تضمنا ، ولم يبق جزء من أجزاء ذلك المعنى ، وحينئذ فالقيد المذكور غير محتاج إليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث