الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( ويكره استعمال أواني المشركين وثيابهم لما روى { أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله إنا بأرض أهل الكتاب ونأكل في آنيتهم ، فقال : لا تأكلوا في آنيتهم إلا إن لم تجدوا عنها بدا فاغسلوها بالماء ثم كلوا فيها } ، ولأنهم لا يجتنبون النجاسة فكره لذلك ، فإن توضأ من أوانيهم نظرت - فإن كانوا ممن لا يتدينون باستعمال النجاسة - صح الوضوء ; { لأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة } . وتوضأ عمر رضي الله عنه من جرة نصراني . ولأن الأصل في أوانيهم الطهارة . وإن كانوا ممن يتدينون باستعمال النجاسة ففيه وجهان : ( أحدهما ) : أنه يصح الوضوء ; لأن الأصل في أوانيهم الطهارة .

( والثاني ) : لا يصح ; لأنهم يتدينون باستعمال النجاسة كما يتدين المسلمون بالماء الطاهر ، فالظاهر من أوانيهم وثيابهم النجاسة ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث أبي ثعلبة رواه البخاري ومسلم ولفظه فيهما [ ص: 318 ] { قلت : يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم ؟ فقال إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها ، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها } " ، وفي رواية للبخاري : " { فلا تأكلوا في آنيتهم إلا أن لا تجدوا بدا فإن لم تجدوا بدا فاغسلوها وكلوا } " ، وفي رواية أبي داود : " { إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربوا ، وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء وكلوا واشربوا } " ، هذا لفظ الحديث في كتب الحديث ، ووقع في المهذب ( لا تأكل ) خطابا للواحد وله وجه ، ولكن المعروف لا تأكلوا ، قال أهل اللغة : يقال لا بد من كذا أي لا فراق منه ولا انفكاك عنه ، أي هو لازم ، وأبو ثعلبة الراوي وهو الخشني بخاء مضمومة ثم شين مفتوحة معجمتين ثم نون منسوب إلى خشين بطن من قضاعة ، واسمه جرهم بضم الجيم والهاء ، قاله أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وآخرون . وقيل جرثوم بضم الجيم والمثلثة وقيل غير ذلك ، واسم أبيه ناشم بالنون والشين المعجمة ، وقيل غير ذلك ، وكان أبو ثعلبة ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ثم نزل الشام وتوفي أيام معاوية ، وقيل أيام عبد الملك سنة خمس وسبعين .

وأما قوله : " { توضأ النبي صلى الله عليه وسلم من مزادة مشركة } " فهو بعض من حديث طويل رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من رواية عمران بن حصين رضي الله عنهما أنهم { كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فعطشوا فأرسل من يطلب الماء ، فجاءوا بامرأة مشركة على بعير بين مزادتين من ماء ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بإناء فأفرغ فيه منهما ثم قال فيه : ما شاء الله ، ثم أعاده في المزادتين ونودي في الناس : اسقوا واستقوا ، فشربوا حتى رووا ولم يدعوا إناء ولا سقاء إلا ملئوه ، وأعطى رجلا أصابته جنابة إناء من ذلك الماء وقال : أفرغه عليك ، ثم أمسك عن المزادتين وكأنهما أشد امتلاء مما كانتا ، ثم أسلمت المرأة بعد ذلك هي وقومها } " . هذا معنى الحديث مختصرا وفيه المعجزة الظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ منه صريحا ، لكن الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم توضأ منه ; لأن الماء كان كثيرا ، وإن لم يكن توضأ فقد أعطى الجنب [ ص: 319 ] ما يغتسل به ، وبهذا يحصل المقصود وهو طهارة إناء المشرك ، والمزادة هي التي تسميها الناس الراوية ، وإنما الراوية في الأصل البعير الذي يستقى عليه . وأما قوله : توضأ عمر من جر نصراني ، فصحيح رواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح ، وذكره البخاري في صحيحه بمعناه تعليقا فقال : وتوضأ عمر بالحميم من بيت نصرانية ، والحميم الماء الحار ، لكن وقع في المهذب نصراني بالتذكير ، قال الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي رواه خلاد بن أسلم عن سفيان بن عيينة بإسناده كذلك ، قال : والمحفوظ ما رواه الشافعي عن ابن عيينة بإسناده نصرانية بالتأنيث . قوله : من " جر " كذا هو في المهذب ، وغيره " جر " ، ورواه الشافعي في الأم جرة نصرانية بالهاء في آخرهما وهو الصحيح واختلف الأئمة في معنى الذي في المهذب فالمشهور الذي قاله الأكثرون أنه جمع جرة وهي الإناء المعروف من الخزف ، وقولنا جمع جرة هو على اصطلاح أهل اللغة ، وأما أهل التصريف والنحو فيقولون فيه وفي أشباهه : هو اسم جنس ولا يسمونه جمعا ، وذكر ابن فارس في كتابه حلية العلماء أن الجر هنا سلاخة عرقوب البعير يجعل وعاء للماء ، وذكر هو في المجمل نحوه . والله أعلم .

أما حكم المسألة : فيكره استعمال أواني الكفار وثيابهم سواء فيه أهل الكتاب وغيرهم ، والمتدين باستعمال النجاسة وغيره ، ودليله ما ذكره المصنف من الحديث والمعنى ، قال الشافعي - رحمه الله - : وإنا لسراويلاتهم وما يلي أسافلهم أشد كراهة ، قال أصحابنا : وأوانيهم المستعملة في الماء أخف كراهة ، فإن تيقن طهارة أوانيهم أو ثيابهم قال أصحابنا : فلا كراهة حينئذ في استعمالها كثياب المسلم ممن صرح بهذا المحاملي في المجموع والبندنيجي والجرجاني في البلغة والبغوي وصاحبا العدة والبيان وغيرهم ولا نعلم فيه خلافا . ومراد المصنف بقوله : يكره استعمالها إذا لم يتيقن طهارتها ، وتعليله يدل عليه ، فإن قيل فحديث أبي ثعلبة يقتضي كراهة استعمالها إذا وجد عنها بدا وإن تيقن طهارتها . فالجواب أن المراد النهي عن الأكل في أوانيهم التي كانوا يطبخون فيها [ ص: 320 ] لحم الخنزير ويشربون فيها الخمر كما سبق بيانه في رواية أبي داود ، وإنما نهي عن الأكل للاستقذار كما يكره الأكل في المحجمة المغسولة ، وإذا تطهر من إناء كافر ولم يعلم طهارته ولا نجاسته فإن كان من قوم لا يتدينون باستعمال النجاسة - صحت طهارته بلا خلاف ، وإن كان من قوم يتدينون باستعمال النجاسة فوجهان : الصحيح منهما باتفاق الأصحاب في الطريقتين أنه تصح طهارته وهو نصه في الأم وحرملة والقديم وبه قال ابن أبي هريرة . والوجه الثاني : لا تصح طهارته ، وهو قول أبي إسحاق ، وصححه المتولي وهو مخرج من القولين في الصلاة في المقبرة المنبوشة ، كذا قاله الشيخ أبو حامد ، وقال القاضي أبو الطيب : هو مخرج من مسألة بول الصبية ، وهذا أجود ، قال أصحابنا : المتدينون باستعمال النجاسة وهم الذين يعتقدون ذلك دينا وفضيلة ، وهم طائفة من المجوس يرون استعمال أبوال البقر وأحشائها قربة وطاعة ، قال الماوردي : وممن يرى ذلك البراهمة ، وأما الذين لا يتدينون فكاليهود والنصارى ، قال إمام الحرمين : ولو ظهر من الرجل اختلاطه بالنجاسات وعدم تصونه منها مسلما كان أو كافرا ففي نجاسة ثيابه وأوانيه الخلاف . والله أعلم .

( فرع ) هذا الذي ذكرناه من الحكم بطهارة أواني الكفار وثيابهم هو مذهبنا ومذهب الجمهور من السلف ، وحكى أصحابنا عن أحمد وإسحاق نجاسة ذلك لقوله تعالى : ( { إنما المشركون نجس } ) ، ولحديث أبي ثعلبة وقوله صلى الله عليه وسلم فاغسلوها ، واحتج أصحابنا بقوله تعالى : ( { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } ) ومعلوم أن طعامهم يطبخونه في قدورهم ويباشرونه بأيديهم ، وبحديث عمران وفعل عمر المذكورين في الكتاب ، وبأن الأصل الطهارة ، { وبأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأذن للكفار في دخول المسجد } ، ولو كانوا أنجاسا لم يأذن . وأجاب الأصحاب عن الآية بجوابين : ( أحدهما ) : معناها أن المشركين نجس أديانهم واعتقادهم ، وليس المراد أبدانهم وأوانيهم ، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أدخلهم المسجد ، واستعمل آنيتهم وأكل طعامهم ، وأجابوا عن حديث أبي ثعلبة بأن السؤال كان عن الآنية التي يطبخون [ ص: 321 ] فيها لحم الخنزير ويشربون فيها الخمر كما جاء في رواية أبي داود التي قدمناها ، وجواب آخر أنه محمول على الاستحباب ، ذكره الشيخ أبو حامد ، ويدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم نهاهم عن استعمالها مع وجود غيرها ، وهذا محمول على الاستحباب بلا شك . والله أعلم .

( فرع ) قول المصنف : " ويكره استعمال أواني المشركين " يعني بالمشركين الكفار ، سواء أهل الكتاب وغيرهم ، واسم المشركين يطلق على الجميع ، ومن ذلك قول الله - تعالى - : ( { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ) ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : { من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة } " ، ونظائر ذلك في الكتاب والسنة واستعمال سلف الأمة مشهورة ، ومن ذلك قوله - سبحانه وتعالى - : ( { وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله } ) ، وقال في آخر الآية الثانية : ( { سبحانه عما يشركون } ) . والله أعلم



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث