الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل منزلة الصدق

ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الصدق وهي منزلة القوم الأعظم . الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين ، والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين . وبه تميز أهل النفاق من أهل الإيمان ، وسكان الجنان من أهل النيران . وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه . ولا واجه باطلا إلا أرداه وصرعه . من صال به لم ترد صولته . ومن نطق به علت على الخصوم كلمته . فهو روح الأعمال ، ومحك الأحوال ، والحامل على اقتحام الأهوال ، والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال . وهو أساس بناء الدين ، وعمود فسطاط اليقين . ودرجته تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين . ومن مساكنهم في الجنات تجرى العيون والأنهار إلى مساكن الصديقين . كما كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه الدار مدد متصل ومعين .

وقد أمر الله سبحانه أهل الإيمان : أن يكونوا مع الصادقين . وخص المنعم عليهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين . فقال تعالى ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين وقال تعالى : ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فهم الرفيق الأعلى وحسن أولئك رفيقا ولا يزال الله يمدهم بأنعمه وألطافه ومزيده إحسانا منه وتوفيقا . ولهم مرتبة المعية مع الله . فإن الله مع الصادقين ، ولهم منزلة القرب منه . إذ درجتهم منه ثاني درجة النبيين .

وأخبر تعالى أن من صدقه فهو خير له . فقال فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم .

[ ص: 258 ] وأخبر تعالى عن أهل البر . وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم : من الإيمان ، والإسلام ، والصدقة ، والصبر . بأنهم أهل الصدق فقال ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون وهذا صريح في أن الصدق بالأعمال الظاهرة والباطنة . وأن الصدق هو مقام الإسلام والإيمان .

وقسم الله سبحانه الناس إلى صادق ومنافق . فقال ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم .

والإيمان أساسه الصدق . والنفاق أساسه الكذب . فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما محارب للآخر .

وأخبر سبحانه : أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلا صدقه . قال تعالى هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم وقال تعالى : والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون فالذي جاء بالصدق : هو من شأنه الصدق في قوله وعمله وحاله . فالصدق : في هذه الثلاثة .

فالصدق في الأقوال : استواء اللسان على الأقوال ، كاستواء السنبلة على ساقها . والصدق في الأعمال : استواء الأفعال على الأمر والمتابعة . كاستواء الرأس على الجسد . والصدق في الأحوال : استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص . واستفراغ الوسع ، وبذل الطاقة ، فبذلك يكون العبد من الذين جاءوا بالصدق . وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به : تكون صديقيته . ولذلك كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه : ذروة سنام الصديقية ، سمي الصديق على الإطلاق ، والصديق أبلغ من الصدوق والصدوق أبلغ من الصادق .

فأعلى مراتب الصدق : مرتبة الصديقية . وهي كمال الانقياد للرسول صلى الله عليه وسلم ، مع كمال الإخلاص للمرسل .

[ ص: 259 ] وقد أمر الله تعالى رسوله : أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق . فقال وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا وأخبر عن خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، أنه سأله أن يهب له لسان صدق في الآخرين . فقال واجعل لي لسان صدق في الآخرين وبشر عباده بأن لهم عنده قدم صدق ، ومقعد صدق . فقال تعالى وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم وقال إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر .

فهذه خمسة أشياء : مدخل الصدق ، ومخرج الصدق . ولسان الصدق ، وقدم الصدق ، ومقعد الصدق .

وحقيقة الصدق في هذه الأشياء : هو الحق الثابت ، المتصل بالله ، الموصل إلى الله . وهو ما كان به وله ، من الأقوال والأعمال . وجزاء ذلك في الدنيا والآخرة .

فمدخل الصدق ، ومخرج الصدق : أن يكون دخوله وخروجه حقا ثابتا بالله ، وفي مرضاته . بالظفر بالبغية ، وحصول المطلوب ، ضد مخرج الكذب ومدخله الذي لا غاية له يوصل إليها . ولا له ساق ثابتة يقوم عليها . كمخرج أعدائه يوم بدر . ومخرج الصدق كمخرجه صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه في تلك الغزوة .

وكذلك مدخله صلى الله عليه وسلم المدينة : كان مدخل صدق بالله ، ولله ، وابتغاء مرضاة الله . فاتصل به التأييد ، والظفر والنصر ، وإدراك ما طلبه في الدنيا والآخرة ، بخلاف مدخل الكذب الذي رام أعداؤه أن يدخلوا به المدينة يوم الأحزاب . فإنه لم يكن بالله ، ولا لله . بل كان محادة لله ورسوله ، فلم يتصل به إلا الخذلان والبوار .

وكذلك مدخل من دخل من اليهود المحاربين لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصن بني قريظة . فإنه لما كان مدخل كذب : أصابه معهم ما أصابهم .

فكل مدخل معهم ومخرج كان بالله ولله . فصاحبه ضامن على الله . فهو مدخل صدق ، ومخرج صدق .

وكان بعض السلف إذا خرج من داره : رفع رأسه إلى السماء ، وقال : اللهم إني [ ص: 260 ] أعوذ بك أن أخرج مخرجا لا أكون فيه ضامنا عليك .

يريد : أن لا يكون المخرج مخرج صدق . ولذلك فسر مدخل الصدق ومخرجه : بخروجه صلى الله عليه وسلم من مكة ، ودخوله المدينة . ولا ريب أن هذا على سبيل التمثيل . فإن هذا المدخل والمخرج من أجل مداخله ومخارجه صلى الله عليه وسلم . وإلا فمداخله كلها مداخل صدق ، ومخارجه مخارج صدق . إذ هي لله وبالله وبأمره ، ولابتغاء مرضاته .

وما خرج أحد من بيته ودخل سوقه - أو مدخلا آخر - إلا بصدق أو بكذب ، فمخرج كل واحد ومدخله : لا يعدو الصدق والكذب . والله المستعان .

وأما لسان الصدق : فهو الثناء الحسن عليه صلى الله عليه وسلم من سائر الأمم بالصدق . ليس ثناء بالكذب . كما قال عن إبراهيم وذريته من الأنبياء والرسل عليهم صلوات الله وسلامه وجعلنا لهم لسان صدق عليا والمراد باللسان هاهنا : الثناء الحسن . فلما كان الصدق باللسان ، وهو محله . أطلق الله سبحانه ألسنة العباد بالثناء على الصادق ، جزاء وفاقا . وعبر به عنه .

فإن اللسان يراد به ثلاثة معان : هذا ، واللغة . كقوله تعالى : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم وقوله : واختلاف ألسنتكم وألوانكم وقوله : لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ويراد به الجارحة نفسها . كقوله تعالى : لا تحرك به لسانك لتعجل به .

وأما قدم الصدق : ففسر بالجنة . وفسر بمحمد صلى الله عليه وسلم . وفسر بالأعمال الصالحة .

وحقيقة القدم ما قدموه . وما يقدمون عليه يوم القيامة . وهم قدموا الأعمال والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ويقدمون على الجنة التي هي جزاء ذلك .

فمن فسره بها أراد : ما يقدمون عليه . ومن فسره بالأعمال وبالنبي صلى الله عليه وسلم : فلأنهم قدموها . وقدموا الإيمان به بين أيديهم . فالثلاثة قدم صدق . وأما مقعد الصدق : فهو الجنة عند الرب تبارك وتعالى .

[ ص: 261 ] ووصف ذلك كله بالصدق مستلزم ثبوته واستقراره ، وأنه حق ، ودوامه ونفعه ، وكمال عائدته . فإنه متصل بالحق سبحانه ، كائن به وله . فهو صدق غير كذب . وحق غير باطل . ودائم غير زائل . ونافع غير ضار . وما للباطل ومتعلقاته إليه سبيل ولا مدخل .

ومن علامات الصدق : طمأنينة القلب إليه . ومن علامات الكذب : حصول الريبة ، كما في الترمذي - مرفوعا - من حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الصدق طمأنينة . والكذب ريبة . وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الصدق يهدي إلى البر . وإن البر يهدي إلى الجنة . وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا . وإن الكذب يهدي إلى الفجور . وإن الفجور يهدي إلى النار . وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا فجعل الصدق مفتاح الصديقية ومبدأها . وهي غايته . فلا ينال درجتها كاذب ألبتة . لا في قوله : ، ولا في عمله ، ولا في حاله . ولا سيما كاذب على الله في أسمائه وصفاته ، ونفي ما أثبته . أو إثبات ما نفاه عن نفسه . فليس في هؤلاء صديق أبدا .

وكذلك الكذب عليه في دينه وشرعه . بتحليل ما حرمه . وتحريم ما لم يحرمه . وإسقاط ما أوجبه ، وإيجاب ما لم يوجبه ، وكراهة ما أحبه ، واستحباب ما لم يحبه . كل ذلك مناف للصديقية .

وكذلك الكذب معه في الأعمال : بالتحلي بحلية الصادقين المخلصين ، والزاهدين المتوكلين . وليس في الحقيقة منهم .

فلذلك كانت الصديقية : كمال الإخلاص والانقياد ، والمتابعة للخبر والأمر ، ظاهرا [ ص: 262 ] وباطنا ، حتى إن صدق المتبايعين يحل البركة في بيعهما . وكذبهما يمحق بركة بيعهما . كما في الصحيحين عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا . فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما . وإن كذبا وكتما : محقت بركة بيعهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث