الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل خالط ببعض ماله واحدا وببعضه آخر ولم يخالط أحد خليطه الآخر

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى : ( فأما إذا ثبت لكل واحد من الخليطين حكم الانفراد بالحول ، مثل أن يكون لكل واحد منهما نصاب من الغنم مضى عليه بعض الحول ، ثم خلطاه نظرت فإن كان حولهما متفقا بأن ملك كل واحد منهما نصابه في المحرم ، ثم خلطاه في صفر ففيه قولان : ( قال في القديم ) : يبنى حول الخلطة على حول الانفراد [ ص: 413 ] فإذا حال الحول على ماليهما لزمهما شاة واحدة ; لأن الاعتبار في قدر الزكاة بآخر الحول ، بدليل أنه لو كان معه مائة وإحدى وعشرون شاة ، ثم تلفت واحدة منها قبل الحول بيوم لم تجب إلا شاة ، ولو كانت مائة وعشرون ، ثم ولدت واحدة قبل الحول بيوم وجبت شاتان ، وقد وجدت الخلطة ههنا في آخر الحول فوجبت زكاة الخلطة . وقال في الجديد : لا يبنى على حول الانفراد ، فيجب على كل واحد منهما شاة ; لأنه قد انفرد كل واحد منهما في بعض الحول فكان زكاتها زكاة الانفراد كما لو كانت الخلطة قبل الحول بيوم أو بيومين ، وهذا يخالف ما ذكروه ، فإن هناك لو وجدت زيادة شاة أو هلاك شاة قبل الحول بيوم أو يومين تغيرت الزكاة ، ولو وجدت الخلطة قبل الحول بيوم أو يومين ، لم يزكيا زكاة الخلطة .

وأما في السنة الثانية وما بعدها ، فإنهما يزكيان زكاة الخلطة ، وإن كان حولهما مختلفا بأن ملك أحدهما في أول المحرم والآخر في أول صفر ، ثم خلطا في أول [ شهر ] ربيع الأول ، فإنه يجب في قوله القديم على كل واحد منهما عند تمام حوله نصف شاة ، وعلى قوله الجديد يجب على كل واحد منهما شاة ، وأما في السنة الثانية وما بعدها ، فإنه يجب عليهما زكاة الخلطة . وقال أبو العباس : يزكيان أبدا زكاة الانفراد ; لأنهما مختلفان في الحول ، فزكيا زكاة الانفراد كالسنة الأولى ، والأول هو المذهب ; لأنهما ارتفقا بالخلطة في حول كامل ، فصار كما لو اتفق حولهما ، وإن ثبت لمال أحدهما حكم الانفراد دون الآخر ، وذلك مثل أن يشتري أحدهما في أول المحرم أربعين شاة واشتري آخر أربعين شاة وخلطها بغنمه ، ثم باعها في أول صفر من رجل آخر ، فإن الثاني ملك الأربعين مختلطة فلم يثبت لها حكم الانفراد ، والأول قد ثبت لغنمه حكم الانفراد ، فإن قلنا بقوله القديم ، وجب على المالك في أول المحرم نصف شاة وإن قلنا بقوله الجديد وجب عليه شاة . وفي المشتري في صفر وجهان :

( أحدهما ) : تجب عليه شاة ; لأن المالك في المحرم لم يرتفق بالخلطة ، فلا يرتفق المالك في صفر ( والثاني ) : تجب عليه نصف شاة ; لأن غنمه لم تنفك عن الخلطة في جميع السنة بخلاف المشترى في المحرم ، وإن ملك رجل أربعين شاة ومضى عليها نصف الحول ، ثم باع نصفها مشاعا ، فإذا تم حول البائع وجب عليه نصف شاة على المنصوص ، وقال أبو علي بن خيران : المسألة على قولين إن قلنا بقوله الجديد : إن حول الخلطة لا يبنى على حول الانفراد انقطع حول البائع فيما لم يبع ، وإن قلنا بقوله القديم : إن حول الخلطة يبنى على حول الانفراد لم ينقطع حوله وهذا خطأ ; لأن الانتقال من الانفراد إلى الخلطة لا يقطع الحول ، وإنما القولان : في نقصان الزكاة وزيادتها دون قطع الحول ، وأما المبتاع فإنا إن قلنا : إن الزكاة تتعلق بالذمة وجب على المبتاع الزكاة وإن قلنا : إنها تجب في العين لم يجب [ ص: 414 ] عليه زكاة ; لأنه بحول الحول زال ملكه عن قدر الزكاة فينقص النصاب .

وقال أبو إسحاق : فيه قول آخر : أن الزكاة تجب فيه . ووجهه أنه إذا أخرجها من غيرها تبينا أن الزكاة لم تتعلق بالعين ، ولهذا قال في أحد القولين : إنه إذا باع ما وجبت فيه الزكاة وأخرج الزكاة من غيره صح البيع ، والصحيح هو الأول ; لأن الملك قد زال ، وإنما يعود الإخراج من غيره ، وأما إذا باع عشرين منها بعينها نظرت فإن أفردها وسلمها انقطع الحول فإن سلمها وهي مختلطة بما لم يبع بأن ساق الجميع حتى حصل في قبض المشتري لم ينقطع الحول وحكمه حكم ما لو باع نصفها مشاعا ومن أصحابنا من قال ينقطع الحول ; لأنه لما أفردها بالبيع صار كما لو أفردها عن الذي لم يبع . والأول هو الصحيح ; لأنه لم يزل الاختلاط فلم يزل حكمه .

فإن كان بين رجلين أربعون شاة لكل واحد منهما عشرون ولأحدهما أربعون منفردة وتم الحول ففيه أربعة أوجه ( أحدها ) : وهو المنصوص أنه تجب شاة ربعها على صاحب العشرين والباقي على صاحب الستين ; لأن مال الرجل الواحد يضم بعضه إلى بعض بحكم الملك فيضم الأربعون المنفردة إلى العشرين المختلطة ، فإذا انضمت إلى العشرين المختلطة انضمت أيضا إلى العشرين التي لخليطه ، فيصير الجميع كأنهما في مكان واحد ، فوجب فيه ما ذكرناه .

( والثاني ) : أنه يجب على صاحب الستين ثلاثة أرباع شاة وعلى صاحب العشرين نصف شاة ; لأن الأربعين المنفردة تضم إلى العشرين بحكم الملك ، فتصير ستينا فيصير مخالطا بجميعها لصاحب العشرين فيجب عليه ثلاثة أرباع شاة وصاحب العشرين مخالط بالعشرين [ التي له العشرين التي ] لصاحبه فوجب عليه نصف شاة ، فأما الأربعون المنفردة فلا خلطة له بها فلم يرتفق بها في زكاته .

( والثالث ) : أنه يجب على صاحب الستين شاة وعلى صاحب العشرين نصف شاة ; لأن صاحب العشرين مخالط بعشرين ، فلزمه نصف شاة ، وصاحب الستين له مال منفرد ومال مختلط وزكاة المنفرد أقوى فغلب حكمها .

( والرابع ) : أنه يجب على صاحب الستين شاة إلا نصف سدس شاة وعلى صاحب العشرين نصف شاة ; لأن لصاحب الستين أربعين منفردة ، فتزكى زكاة الانفراد ، فكأنه منفرد بستين شاة فيجب عليه فيها شاة يخص الأربعين منها ثلثا شاة ، وله عشرون مختلطة ، فتزكى زكاة الخلطة ، فكان جميع الثمانين مختلطة ، فيخص العشرين منها ربع شاة فتجب عليه شاة إلا نصف سدس شاة ، ثلثا شاة في الأربعين المنفردة ، وربع شاة في العشرين المختلطة وأقل عدد يخرج منه ربع وثلثان اثنا عشر ، الثلثان منها ثمانية والربع منها ثلاثة ، فذلك أحد عشر سهما ، فيجب عليه أحد عشر سهما من اثني عشر سهما من شاة ، ويجب على صاحب العشرين نصف شاة ; لأن الخلطة تثبت في حقه في الأربعين الحاضرة . [ ص: 415 ] فرع ) : وإن كان لرجل ستون شاة ، فخالط بكل عشرين رجلا له عشرون شاة ، ففيه ثلاثة أوجه على منصوص الشافعي رحمه الله في المسألة قبلها يجعل بضم الغنم بعضها إلى بعض ، وهل كان جميعها مختلطة ؟ فيجب فيها شاة ، على صاحب الستين نصفها وعلى الشركاء نصفها على كل واحد سدس شاة . ومن قال في المسألة قبلها : إن على صاحب الستين شاة وعلى صاحب العشرين نصف شاة يجب ههنا على صاحب الستين شاة ; لأن غنمه يضم بعضها إلى بعض ويجعل كأنها منفردة فتجب فيها شاة ، ويجب على كل واحد من الثلاثة نصف شاة ; لأن الخلطة في حق كل واحد منهم ثابتة في العشرين التي له وفي العشرين التي لخليطه . ومن قال في المسألة قبلها : إنه يجب على صاحب الستين ثلاثة أرباع شاة ، وعلى صاحب العشرين نصف شاة يجب ههنا على صاحب الستين ثلاثة أرباع شاة وعلى كل واحد من الشركاء نصف شاة ; لأنه لا يمكن ضم الأملاك الثلاثة بعضها إلى بعض ; لأنها متميزة في شروط الخلطة .

( وأما ) : الستون فإنه يضم بعضها إلى بعض بحكم الملك ، ولا يمكن ضم كل عشرين منها إلى واحد من الثلاثة فيقال لصاحب الستين : قد انضم غنمك بعضها إلى بعض ، فضم الستين إلى غنم من شئت منهم ، فتصير ثمانين فتجب فيها شاة ، ثلاثة أرباعها على صاحب الستين ، وعلى كل واحد من الثلاثة نصف شاة ; لأن الخلطة ثابتة في حق كل واحد منهم في الأربعين ) .

التالي السابق


( فصل ) : فيما إذا خالط ببعض ماله واحدا وببعضه آخر ، ولم يخالط أحد خليطه الآخر ، فإذا ملك أربعين شاة ، فخلط عشرين بعشرين لمن لا يملك غيرها ، والعشرين الأخرى بعشرين لآخر لا يملك غيرها .

فإن قلنا : الخلطة خلطة ملك وهو الصحيح ، فعلى صاحب الأربعين نصف شاة ، وأما الآخران فمال كل واحد مضموم إلى الأربعين ، وهل يضم إلى العشرين التي لخليط خليطه ؟ فيه وجهان ( أصحهما ) : يضم وبه قطع المصنف وسائر العراقيين ، فعلى كل واحد ربع شاة ( والثاني ) : لا ، فعليه ثلث شاة . وإن قلنا : الخلطة خلطة عين ، فعلى كل واحد من صاحبي العشرينين نصف شاة ، وأما صاحب [ ص: 423 ] الأربعين ، ففيه الأوجه السابقة في الفصل قبله ، لكن الذي يجتمع منها هنا ثلاثة : ( أصحها ) : هنا نصف شاة ( والثاني ) : شاة ( والثالث ) : : ثلثا شاة . ولو ملك ستين خلط كل عشرين بعشرين لرجل ، فإن قلنا : بخلطة الملك ، فعلى صاحب الستين نصف شاة ، وفي أصحاب العشرينات وجهان : إن ضممنا إلى خليط خليطه ، وهو الأصح ، فعلى كل واحد منهم سدس شاة وإلا فربعها . وإن قلنا بخلطة العين ، فعلى كل واحد من أصحاب العشرينات نصف شاة ، وفي صاحب الستين أوجه : ( أحدها ) : يلزمه شاة ( والثاني ) : نصفها ( والثالث ) : ثلاثة أرباعها ( والرابع ) : شاة ونصف عن كل عشرين نصف ، وقد سبقت هذه الأوجه في نظيرها وسبق بيان مأخذها والأصح منها ، ولو ملك خمسا وعشرين بعيرا فخالط بكل خمس خمسا لآخر ، فإن قلنا بخلطة الملك ، فعلى صاحب الخمس والعشرين نصف حقة ، وفي واجب كل واحد من خلطائه وجهان : ( أصحهما ) : عشر حقة ( والثاني ) : سدس بنت مخاض ، وإن قلنا بخلطة العين ، فعلى كل واحد من خلطائه شاة ، وفي صاحب الخمس والعشرين الأوجه الأربعة : ( على الأول ) : بنت مخاض ( وعلى الثاني ) : نصف حقة ( وعلى الثالث ) : خمسة أسداس بنت مخاض ( وعلى الرابع ) : خمس شياه . ولو ملك عشرة أبعرة ، فخلط خمسا بخمس عشرة لغيره ، وخمسا بخمس عشرة لآخر .

( فإن قلنا ) : بخلطة الملك ، فعلى صاحب العشر ربع بنت لبون ، وفي صاحبيه وجهان : ، إن ضممنا إلى خليط فقط ، فعليه ثلاثة أخماس بنت مخاض ، وإن ضممنا إلى خليط خليطه أيضا وهو الأصح لزمه ثلاثة أثمان بنت لبون . وإن قلنا : بخلطة العين ، فعلى كل واحد من صاحبيه ثلاث شياه ، وفي صاحب العشر الأوجه الأربعة ( على الأول ) : يلزمه شاتان ( وعلى الثاني ) : ربع بنت لبون . [ ص: 424 ] وعلى الثالث ) : خمسا بنت مخاض ( وعلى الرابع ) : شاتان كالوجه الأول .

ولو ملك عشرين بعيرا خلط كل خمس بخمس وأربعين لرجل ، فإن قلنا : بخلطة الملك لزمه الأغبط من نصف بنت لبون ، وخمسي حقة على المذهب ، بناء على ما سبق أن المائتين من الإبل واجبها الأغبط من خمس بنات لبون أو أربع حقاق ، وجملة الأصول هنا مائتان ، وفيما يجب على كل واحد من الخلطاء وجهان : إن ضممناه إلى خليط خليطه وهو الأصح لزمه بنت لبون وثمنها وتسعة أعشار حقة ، وإن ضممناه إلى خليطه فقط لزمه تسعة أجزاء من ثلاثة عشر جزءا من جذعة . وإن قلنا : بخلطة العين لزم كل واحد من الخلطاء تسعة أعشار حقة ، وفي صاحب العشرين الأوجه ( على الأول ) : : أربع شياه ( وعلى الثاني ) : الأغبط من نصف بنت لبون وخمسي حقة ( وعلى الثالث ) : أربعة أجزاء من ثلاثة عشر جزءا من جذعة .

( وعلى الرابع ) : أربع شياه كالأول . وكل هذه المسائل مفروضة فيما إذا اتفقت أوائل الأحوال ، فإن اختلفت انضم إلى هذه الاختلافات ما سبق من الخلاف عند اختلاف الحول .

( مثاله ) : في الصورة الأخيرة اختلف الحول ، فيزكون في السنة الأولى زكاة الانفراد كل واحد بحوله ، وفي باقي السنين يزكون زكاة الخلطة ، هذا هو المذهب وعلى القديم : يزكون في السنة الأولى أيضا بالخلطة ، وعلى وجه ابن سريج لا تثبت لهم الخلطة أبدا ، ولو خلط خمس عشرة شاة بمثلها لغيره ولأحدهما خمسون منفردة ( فإن قلنا ) : بخلطة العين ، فلا شيء على صاحب الخمس عشرة ; لأن المختلط دون نصاب ، وعلى الآخر شاة عن الخمس والستين كمن خالط ذميا ، وإن قلنا : بخلطة الملك ، فوجهان ( أحدهما ) : لا أثر لهذه الخلطة لنقصان المختلط عن النصاب ( وأصحهما ) : تثبت الخلطة : وتضم الخمسون إلى الثلاثين فتجب شاة ، على صاحب الخمس عشرة فقط ثمن شاة ونصف ثمن ، والباقي على الآخر .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث