الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

1956 [ ص: 83 ] 9 - باب: الخروج في التجارة

وقول الله تعالى : فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله [الجمعة : 10] .

2062 - حدثنا محمد بن سلام ، أخبرنا مخلد بن يزيد ، أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني عطاء ، عن عبيد بن عمير ، أن أبا موسى الأشعري استأذن على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فلم يؤذن له -وكأنه كان مشغولا- فرجع أبو موسى ، ففرغ عمر فقال : ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس ائذنوا له . قيل : قد رجع . فدعاه ، فقال : كنا نؤمر بذلك . فقال : تأتيني على ذلك بالبينة . فانطلق إلى مجلس الأنصار ، فسألهم . فقالوا : لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا أبو سعيد الخدري . فذهب بأبي سعيد الخدري . فقال عمر : أخفي علي من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ ! ألهاني الصفق بالأسواق . يعني : الخروج إلى تجارة . [6245 ، 7353 - مسلم : 2153 - فتح : 4 \ 218]

التالي السابق


ثم ذكر حديث عبيد بن عمير : أن أبا موسى الأشعري استأذن على عمر ، فلم يؤذن له -وكأنه كان مشغولا- فرجع أبو موسى ، ففرغ عمر فقال : ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس ائذنوا له . قيل : قد رجع . فدعاه ، فقال : كنا نؤمر بذلك . فقال : (لتأتيني) على ذلك بالبينة . فانطلق إلى مجلس الأنصار ، فسألهم ، فقالوا : لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا أبو سعيد الخدري . فذهب بأبي سعيد الخدري . فقال عمر : أخفي علي (هذا) من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ ! ألهاني الصفق بالأسواق . يعني : الخروج إلى تجارة .

هذا الحديث أخرجه مسلم أيضا . وفيه : أن الشاهد أبي بن كعب وقال له : يا ابن الخطاب : لا تكن عذابا على أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 84 ] قال : سبحان الله إنما سمعت شيئا فأحببت أن أتثبت ، وفي أبي داود : فقال عمر لأبي موسى : إني لم أتهمك ولكن الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شديد . وفي "الموطأ" : أما إني لم أتهمك ، ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقال ابن عبد البر : عن بعضهم في هذا الحديث : كلنا سمعه ، وقد رواه قوم عن أبي سعيد عن أبي موسى : وإنما هو من النقلة لاختلاط الحديث عليهم ودخول قصة أبي سعيد مع أبي موسى في ذلك ، كلهم يقولون : عن أبي سعيد في قصة أبي موسى .

ولم يخف على عمر أصل الاستئذان فإنه ثابت بنص القرآن ، وإنما خفي عليه تثليث الاستئذان فطلب تأكيده .

وفيه : إيجاب الاستئذان ، والاستئناس وهو الاستئذان أيضا في قوله تعالى : حتى تستأنسوا [النور : 27] الآية . وقال بعضهم : تثليث الاستئذان مأخوذ من قوله تعالى : ثلاث مرات [النور : 58] أي : ثلاث دفعات ، فورد القرآن في المماليك والصبيان ، والسنة في الجميع .

قال أبو عمر : وهذا وإن كان له وجه فإنه غير معروف عن العلماء في تفسير الآية الكريمة ، والذي عليه جمهورهم في قوله : ثلاث مرات [النور : 58] أي : ثلاثة أوقات ، ويدل على صحة هذا القول ذكره فيها من قبل صلاة الفجر [النور : 58] الآية .

وفيه : أن الرجل العالم قد يوجد عند من هو دونه في العلم ما ليس عنده ، إذا كان طريق ذلك العلم السمع ، وإذا جاز هذا على عمر فما [ ص: 85 ] ظنك بغيره بعده ، وقد قال ابن مسعود : لو أن علم عمر وضع في كفة ووضع علم أحياء أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر عليهم .

وزعم قوم أن عمر لا يقبل خبر الواحد ، وليس كما زعموا ، كما قال ابن عبد البر ; لأنه قد ثبت عنه خبر الواحد وقبوله وإيجاب الحكم به ، أليس هو الذي نشد الناس بمنى : من كان عنده علم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الدية فليخبرنا ، وكان رأيه : أن المرأة لا ترث من دية زوجها ; لأنها ليست من عصبته الذين يعقلون عنه ، فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال : كتب إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن "ورث امرأة أشيم من دية زوجها" ، [ ص: 86 ] وكذلك نشد الناس في دية الجنين ، فقال حمل بن النابغة : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى فيه بغرة عبد أو وليدة ، فقضى به عمر ، ولا يشك ذو لب [ ص: 87 ] ومن له أقل منزلة من العلم أن موضع أبي موسى من الإسلام ومكانه من الفقه والدين أجل من أن يرد خبره ويقبل خبر الضحاك وحمل ، وكلاهما لا يقاس به في حال ، وقد قال له عمر في "الموطأ" : إني لم أتهمك ، كما سلف . فدل ذلك على اعتماد كان من عمر في ذلك الوقت ، الله أعلم به .

وقد يحتمل أن عمر عنده في ذلك الحين من ليست له صحبة من أهل العراق أو الشام ، ولم يتمكن الإيمان من قلوبهم ; لقرب عهدهم به ، فخشي عليهم أن يختلقوا الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند الرغبة أو الرهبة أو طلبا للحجة ، لقلة علمهم ، فأراد عمر أن يريهم أن من فعل شيئا ينكر عليه ففزع إلى الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ليثبت له بذلك فعله وجب التثبت فيما جاء به إذا لم يعرف حاله حتى يصح قوله ، فأراهم عمر ذلك ووافق أبو موسى ، وإن كان عنده معروفا بالعدالة غير متهم ; ليكون ذلك أصلا عنه لهم ، وللحاكم أن يجتهد ما أمكنه .

[ ص: 88 ] وكان عمر قد استعمل أبا موسى ، وبعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيضا ساعيا وعاملا على بعض الصدقات ، وهذه منزلة رفيعة في الثقة والأمانة .

وزعم الترمذي أن عمر إنما أنكر على أبي موسى قول : "الاستئذان ثلاث مرات فإن أذن لك ، وإلا فارجع" ، وذلك أن أبا زميل روى عن ابن عباس قال : حدثني عمر بن الخطاب قال : استأذنت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا فأذن لي . ثم قال : حسن غريب .

وفيه دلالة على أن طلب الدنيا تمنع من استفادة العلم ، وأن كلما ازداد المرء طلبا لها ازداد جهلا ، وقل علمه ، ومن هذا قول أبي هريرة السالف : وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم السفق بالأسواق ، وروى عقيل عن ابن شهاب أنه قال : إنما سن التسليمات الثلاثة ; لأنه - صلى الله عليه وسلم - أتى سعد بن عبادة ، فقال : "السلام عليكم" ، فلم يردوا ، ثم قال : "السلام عليكم" ، فلم يردوا ، فرجع - صلى الله عليه وسلم - ، فلما فقد سعد صوت رسول - صلى الله عليه وسلم - ، عرف أنه قد انصرف ، فخرج سعد في إثره حتى أدركه ، فقال : وعليك السلام يا رسول الله ، إنما أردنا أن نستكثر من تسليمك . الحديث . وروى حماد بن سلمة ، عن أيوب وحبيب ، عن محمد ، عن أبي هريرة قال : [ ص: 89 ] قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "رسول الرجل إلى الرجل إذنه" ، ومن أحسن حديث روي في كيفية الاستئذان ما رواه سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : استأذن عمر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : السلام على رسول الله ، السلام عليكم ، أيدخل عمر ؟

[ ص: 90 ] وروى ابن وهب عن عمرو بن الحارث ، عن أبي الزبير ، عن عمرو مولى آل عمر أنه دخل على عبد الله بن عمر بمكة ، قال : فوقفت على الباب ، فقلت : السلام عليكم ، ثم دخلت ، فنظر في وجهي ، ثم قال : اخرج ، قال : فخرجت ، ثم قلت : السلام عليكم ، أأدخل ؟ قال : ادخل الآن .

وقال عطاء : سمعت أبا هريرة يقول : إذا قال الرجل : أأدخل ؟ ، ولم يسلم ، فلا تأذن له حتى يأتي بمفتاح ، قلت : السلام ؟ قال : نعم .

ومن حديث إبراهيم بن إسماعيل ، عن أبي الزبير ، والوليد أبي المغيث ، عن جابر قال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - : "من لم يبدأ بالسلام فلا تأذنوا له" وروى عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان الناس [ ص: 91 ] ليس لبيوتهم ستر ولا حجاب ، فأمرهم الله تعالى بالاستئذان ، ثم جاءهم الله بالستور وبالخير ، فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد ، وأنكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جابر حين دق الباب ، فقال : "من هذا ؟ " قلت : أنا ، قال : [ ص: 92 ] "أنا"! فكرهه" ، والسنة أن يسلم ويستأذن ثلاثا ; ليجمع بينهما . واختلفوا هل يستحب تقديم السلام ، ثم الاستئذان أو عكسه ، وقد صح حديثان في تقديم السلام ، فذهب جماعة إلى الأول ، وقيل : يقدم الاستئذان واختار الماوردي في "حاويه" : إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدم السلام ، وإلا قدم الاستئذان ، وأما إذا استأذن ثلاثا ، فلم يؤذن له ، فظن أنه لم يسمعه ، ففيه ثلاثة مذاهب ، أظهرها : أنه ينصرف ولا يعيد الاستئذان - ثانيها : يزيد فيه ، ثالثها : إن كان بلفظ الاستئذان المتقدم لم يعده ، وإن كان بغيره أعاده .

وقوله : (ألهاني الصفق بالأسواق) : يعني : الخروج إلى التجارة ، وهذا على معنى الذم لنفسه ; لأن بخروجه إليه تحدث وقائع ، فيفتي [ ص: 93 ] فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فتفوته ، وكان عمر يفعل ذلك للكفاف ، حاشا أن يقل من مجالسته وملازمته ، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - كثيرا ما يقول : "فعلت أنا وأبو بكر وعمر" ، و "كنت أنا وأبو بكر وعمر" ، ومكانهما منه عال ، لا يقدر على نواله ، وكان عمر من أزهد الناس ; لأنه وجد فترك .

قال المهلب : وهذا مأخوذ من قوله : وإذا رأوا تجارة أو لهوا [الجمعة : 11] قرنا به ، فسماها عمر لهوا مجازا ; لأن اللهو المذكور في الآية غير التجارة للفصل بأو ، وهو الدف عند النكاح وشبهه ، فدل هذا إنما أراد : شغلني البيع والشراء عن الملازمة في كل أحيانه ، حتى حضر من هو أصغر مني ما لم أحضره من العلم .

وفيه : أن الصغير قد يكون عنده ما ليس عند الكبير كما سلف ، وإنه يجب البحث وطلب الدليل على ما ينكره من الأقوال حتى تثبت عنده .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث