الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل منزلة الخلق

ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الخلق .

قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : وإنك لعلى خلق عظيم .

قال ابن عباس و مجاهد : لعلى دين عظيم ، لا دين أحب إلي ولا أرضى عندي منه . وهو دين الإسلام .

وقال الحسن رضي الله عنه : هو آداب القرآن .

وقال قتادة : هو ما كان يأمر به من أمر الله . وينهى عنه من نهي الله . والمعنى : إنك لعلى الخلق الذي آثرك الله به في القرآن .

وفي الصحيحين : أن هشام بن حكيم سأل عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت : كان خلقه القرآن . فقال : لقد هممت أن أقوم ولا أسأل شيئا .

وقد جمع الله له مكارم الأخلاق في قوله تعالى : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين [ ص: 290 ] قال جعفر بن محمد : أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق . وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية . وقد ذكر : أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل : ما هذا ؟ قال : لا أدري حتى أسأل ، فسأل . ثم رجع إليه . فقال : إن الله يأمرك أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك .

ولا ريب أن للمطاع مع الناس ثلاثة أحوال .

أحدها : أمرهم ونهيهم بما فيه مصلحتهم .

الثاني : أخذه منهم ما يبذلونه مما عليهم من الطاعة .

الثالث : أن الناس معه قسمان : موافق له موال ، ومعاد له معارض . وعليه في كل واحد من هذه واجب .

فواجبه في أمرهم ونهيهم : أن يأمر بالمعروف . وهو المعروف الذي به صلاحهم وصلاح شأنهم . وينهاهم عن ضده .

وواجبه فيما يبذلونه له من الطاعة : أن يأخذ منهم ما سهل عليهم ، وطوعت له به أنفسهم ، سماحة واختيارا . ولا يحملهم على العنت والمشقة فيفسدهم .

وواجبه عند جهل الجاهلين عليه : الإعراض عنهم . وعدم مقابلتهم بالمثل والانتقام منهم لنفسه . فقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين قال عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما : أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق الناس . وقال مجاهد : يعني خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تخسيس ، مثل قبول الأعذار ، والعفو والمساهلة ، وترك الاستقصاء في البحث ، والتفتيش عن حقائق بواطنهم .

[ ص: 291 ] وقال ابن عباس رضي الله عنهما : خذ ما عفا لك من أموالهم . وهو الفاضل عن العيال ، وذلك معنى قوله تعالى : ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو .

ثم قال تعالى وأمر بالعرف وهو كل معروف . وأعرفه : التوحيد . ثم حقوق العبودية وحقوق العبيد .

ثم قال تعالى وأعرض عن الجاهلين يعني إذا سفه عليك الجاهل فلا تقابله بالسفه . كقوله تعالى : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما وعلى هذا فليست بمنسوخة . بل يعرض عنه مع إقامة حق الله عليه . ولا ينتقم لنفسه .

وهكذا كان خلقه صلى الله عليه وسلم . قال أنس رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا . وقال : ما مسست ديباجا ولا حريرا ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين . فما قال لي قط : أف . ولا قال لشيء فعلته : لم فعلته ؟ ولا لشيء لم أفعله : ألا فعلت كذا ؟ متفق عليهما .

وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن البر : هو حسن الخلق .

وفي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم ؟ فقال : البر حسن الخلق . والإثم ما حاك في صدرك . وكرهت أن يطلع عليه الناس .

[ ص: 292 ] فقابل البر بالإثم . وأخبر : أن البر حسن الخلق . والإثم : حواز الصدور . وهذا يدل على أن حسن الخلق : هو الدين كله . وهو حقائق الإيمان ، وشرائع الإسلام . ولهذا قابله بالإثم .

وفي حديث آخر البر : ما اطمأنت إليه النفس ، والإثم ما حاك في الصدر ، وقد فسر حسن الخلق بأنه البر . فدل على أن حسن الخلق : طمأنينة النفس والقلب . والإثم حواز الصدور ، وما حاك فيها ، واسترابت به . وهذا غير حسن الخلق وسوئه في عرف كثير من الناس . كما سيأتي في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خياركم : أحاسنكم أخلاقا .

وفي الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق . وإن الله تعالى ليبغض الفاحش البذيء . قال الترمذي : حديث حسن صحيح .

وفيه أيضا - وصححه - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة ؟ فقال : تقوى الله ، وحسن الخلق . وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار ؟ فقال : الفم والفرج .

[ ص: 293 ] وفيه أيضا عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم - وصححه - إن من أكمل المؤمنين إيمانا : أحسنهم خلقا . وخياركم : خياركم لنسائهم .

وفي الصحيح عن عائشة عنه صلى الله عليه وسلم إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم رواه أبو داود .

وعن ابن عمر رضي الله عنهما عنه صلى الله عليه وسلم أنا زعيم ببيت في ربض الجنة : لمن ترك المراء وإن كان محقا . وببيت في وسط الجنة : لمن ترك الكذب وإن كان مازحا ، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه رواه الطبراني وإسناده صحيح .

فجعل البيت العلوي جزاء لأعلى المقامات الثلاثة . وهي حسن الخلق . والأوسط لأوسطها . وهو ترك الكذب . والأدنى لأدناها وهو ترك المماراة ، وإن كان معه حق . ولا ريب أن حسن الخلق مشتمل على هذا كله .

وفي الترمذي عن جابر رضي الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم إن من أحبكم إلي ، وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة : أحاسنكم أخلاقا . وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة : الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون . قالوا : يا رسول الله . قد علمنا الثرثارون والمتشدقون . فما المتفيهقون ؟ قال : المتكبرون . الثرثار : هو كثير الكلام بغير فائدة دينية . والمتشدق : [ ص: 294 ] المتكلم بملء فيه تفاصحا وتعاظما وتطاولا ، وإظهارا لفضله على غيره . وأصله من الفهق . وهو الامتلاء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث