الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب زكاة التجارة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 3 ] باب زكاة التجارة : قال المصنف رحمه الله تعالى : ( تجب الزكاة في عروض التجارة ; لما روى أبو ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { في الإبل صدقتها ، وفي البقر صدقتها وفي الغنم صدقتها ، وفي البز صدقته } ; ولأن التجارة يطلب بها نماء المال فتعلقت بها الزكاة كالسوم في الماشية ) .

التالي السابق


( الشرح ) هذا الحديث رواه الدارقطني في سننه ، والحاكم أبو عبد الله في " المستدرك " والبيهقي بأسانيدهم ذكره الحاكم بإسنادين ثم قال : هذان الإسنادان صحيحان على شرط البخاري ومسلم ، ( قوله ) : " وفي البز صدقته " هو بفتح الباء وبالزاي هكذا رواه جميع الرواة ، وصرح بالزاي الدارقطني والبيهقي ، ونصوص الشافعي رضي الله عنه القديمة والجديدة متظاهرة على وجوب زكاة التجارة . قال أصحابنا : قال الشافعي رضي الله عنه في القديم : اختلف الناس في زكاة التجارة ، فقال بعضهم : لا زكاة فيها ، وقال بعضهم : فيها الزكاة ، وهذا أحب إلينا ، هذا نصه ، فقال القاضي أبو الطيب وآخرون : هذا ترديد قول ، فمنهم من قال في القديم قولان في وجوبها ، ومنهم من لم يثبت هذا القديم ، واتفق القاضي أبو الطيب وكل من حكى هذا القديم على أن الصحيح في القديم أنها تجب كما نص عليه في الجديد ، والمشهور للأصحاب الاتفاق على أن مذهب الشافعي ( رضي الله عنه ) وجوبها وليس في هذا المنقول عن القديم إثبات قول بعدم وجوبها ، وإنما [ ص: 4 ] أخبر عن اختلاف الناس وبين أن مذهبه الوجوب بقوله : وهذا أحب إلي . والصواب الجزم بالوجوب ، وبه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين والفقهاء بعدهم أجمعين .

قال ابن المنذر : أجمع عامة أهل العلم على وجوب زكاة التجارة قال : رويناه عن عمر بن الخطاب وابن عباس والفقهاء السبعة وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ، وخارجة بن زيد ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار والحسن البصري وطاوس وجابر بن زيد وميمون بن مهران والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي والنعمان وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد .

وحكى أصحابنا عن داود وغيره من أهل الظاهر أنهم قالوا : لا تجب ، وقال ربيعة ومالك : لا زكاة في عروض التجارة ما لم تنض وتصر دراهم أو دنانير ، فإذا نضت لزمه زكاة عام واحد ، واحتجوا بالحديث الصحيح : { ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة } وهو في الصحيحين ، وقد سبق بيانه ، وبما جاء عن ابن عباس أنه قال : لا زكاة في العروض . واحتج أصحابنا بحديث أبي ذر المذكور ، وهو صحيح كما سبق ، وعن سمرة قال : أما بعد . { فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يعد للبيع } رواه أبو داود في أول كتاب الزكاة ، وفي إسناده جماعة لا أعرف حالهم ، ولكن لم يضعفه أبو داود ، وقد قدمنا أن ما لم يضعفه فهو حسن عنده . وعن حماس - بكسر الحاء المهملة وتخفيف الميم وآخره سين مهملة - وكان يبيع الأدم قال : " قال لي عمر بن الخطاب : يا حماس [ ص: 5 ] أد زكاة مالك ، فقلت : ما لي مال ، إنما أبيع الأدم . قال : قومه ثم أد زكاته ، ففعلت " رواه الشافعي وسعيد بن منصور الحافظ في مسنده والبيهقي .

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة . رواه البيهقي بإسناده عن أحمد بن حنبل بإسناده الصحيح . وأما الجواب عن حديث { : ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة } فهو محمول على ما ليس للتجارة ، ومعناه لا زكاة في عينه بخلاف الأنعام ، وهذا التأويل متعين للجمع بين الأحاديث ، وأما قول ابن عباس فهو ضعيف الإسناد ضعفه الشافعي رضي الله عنه والبيهقي وغيرهما ، قال البيهقي : ولو صح لكان محمولا على عرض ليس للتجارة ليجمع بينه وبين الأحاديث والآثار السالفة ، ولما روى ابن المنذر عنه من وجوب زكاة التجارة كما سبق . والله تعالى أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث