الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا "

القول في تأويل قوله تعالى : ( وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا ( 13 ) لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ( 14 ) )

يقول تعالى ذكره : وإذا ألقي هؤلاء المكذبون بالساعة من النار مكانا ضيقا ، قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال ( دعوا هنالك ثبورا ) .

واختلف أهل التأويل في معنى الثبور ، فقال بعضهم : هو الويل .

[ ص: 245 ] ذكر من قال ذلك :

حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس . في قوله : ( وادعوا ثبورا كثيرا ) يقول : ويلا .

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ( لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا ) يقول : لا تدعوا اليوم ويلا واحدا ، وادعوا ويلا كثيرا .

وقال آخرون : الثبور الهلاك .

ذكر من قال ذلك :

حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله : ( لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا ) الثبور : الهلاك .

قال أبو جعفر : والثبور في كلام العرب : أصله انصراف الرجل عن الشيء ، يقال منه : ما ثبرك عن هذا الأمر : أي ما صرفك عنه ، وهو في هذا الموضع دعاء هؤلاء القوم بالندم على انصرافهم عن طاعة الله في الدنيا ، والإيمان بما جاءهم به نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى استوجبوا العقوبة منه ، كما يقول القائل : واندامتاه ، واحسرتاه على ما فرطت في جنب الله : وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول في قوله : ( دعوا هنالك ثبورا ) أي هلكة ، ويقول : هو مصدر من ثبر الرجل : أي أهلك ، ويستشهد لقيله في ذلك ببيت ابن الزبعرى :


إذ أجاري الشيطان في سنن الغي ومن مال ميله مثبورا



وقوله : ( لا تدعوا اليوم ) أيها المشركون ندما واحدا : أي مرة واحدة ، ولكن ادعوا ذلك كثيرا . وإنما قيل : ( لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا ) لأن الثبور مصدر ; والمصادر لا تجمع ، وإنما توصف بامتداد وقتها وكثرتها ، كما يقال : قعد قعودا طويلا وأكل أكلا كثيرا .

حدثنا محمد بن مرزوق ، قال : ثنا حجاج ، قال : ثنا حماد قال : ثنا علي بن زيد ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أول من يكسى حلة من النار إبليس ، [ ص: 246 ] فيضعها على حاجبيه ، ويسحبها من خلفه ، وذريته من خلفه ، وهو يقول : يا ثبوراه ، وهم ينادون : يا ثبورهم فيقال : ( لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ) " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث