الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 156 ] كتاب الرضاع

وحكم الرضاع يثبت بقليله ( ف ) وكثيره .

إذا وجد في مديه وهي ثلاثون ( سم ) شهرا ، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب إلا أخت ابنه وأم أخته ، وإذا أرضعت المرأة صبية حرمت على زوجها وآبائه وأبنائه ، وإذا رضع صبيان من ثدي امرأة فهما أخوان ، وإن اجتمعا على لبن شاة فلا رضاع بينهما ، وإذا اختلط اللبن بخلاف جنسه كالماء والدهن والنبيذ والدواء ولبن البهائم فالحكم للغالب ، وكذلك إن اختلط بجنسه بأن اختلط لبن امرأتين ( م ز ) ، وإن اختلط بالطعام فلا حكم له ، وإن غلب ( سم ) ، وتتعلق الحرمة بلبن المرأة بعد موتها ، وكذلك تتعلق بلبن البكر ، ولا تتعلق بلبن الرجل ولا بالاحتقان وتتعلق بالاستعاط والإيجار ، وإذا أرضعت امرأته الكبيرة امرأته الصغيرة حرمتا على الزوج ، ولا مهر للكبيرة إن كان قبل الدخول ، وللصغيرة نصف المهر ، ويرجع به على الكبيرة إن كانت تعمدت الفساد ، والقول قولها في التعمد مع يمينها .

[ ص: 156 ]

التالي السابق


[ ص: 156 ] كتاب الرضاع

وهو واجب إحياء للولد لقوله - تعالى - : ( والوالدات يرضعن أولادهن ) أي ليرضعن .

( وحكم الرضاع يثبت بقليله وكثيره ) لقوله سبحانه : ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ) مطلقا ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " من غير فصل ، وقال - عليه الصلاة والسلام - : " الرضاع ما ينبت اللحم وينشز العظم " وإنه يحصل بالقليل ; لأن اللبن متى وصل إلى جوف الصبي أنبت اللحم وأنشز العظم .

قال : ( إذا وجد في مدته وهي ثلاثون شهرا ، وقالا : سنتان لقوله - تعالى - : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ) ، [ ص: 157 ] وقال - تعالى - : ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) ، وأدنى مدة الحمل ستة أشهر فبقي للفصال سنتان . ولأبي حنيفة الآية الثانية ، والتمسك بها أن الله - تعالى - ذكر الحمل والفصال وضرب لهما مدة ثلاثين شهرا فتكون مدة لكل واحد منهما ، كما إذا باعه عبدا وأمة إلى شهر ، فإن الشهر يكون أجلا لكل واحد منهما ، وكذا لو باعه شيئا وأجره شيئا آخر صفقة واحدة إلى مدة معلومة كانت المدة أجلا لكل واحد منهما ، فعلم أن الآية تقتضي أن يكون الثلاثون شهرا أجلا لكل واحد من الحمل والفصال ، خرج الحمل عن ذلك فبقي الفصال على مقتضاه ، والآية الأولى محمولة على مدة الاستحقاق حتى لا يكون للأم المبتوتة المطالبة بأجرة الرضاع بعد الحولين فعملنا بالآية الأولى في نفي الأجرة بعد الحولين ، وبالثانية في الحرمة إلى ثلاثين شهرا أخذا بالاحتياط فيهما . أو نقول : المراد الحمل على الأكف في الحجر حالة الإرضاع ; لأن مدة الحمل غير مقدرة بثلاثين شهرا بالإجماع .

فإذا انقضت مدته لا اعتبار بالرضاع بعده ، لقوله - عليه الصلاة والسلام - : " لا رضاع بعد الفصال " ، والمراد حكمه وهل يباح الإرضاع بعد المدة ؟ فيه خلاف ، والمحرم من الإرضاع ما وقع في المدة ، سواء فطم أو لم يفطم . وقال الخصاف وهو رواية عن أبي حنيفة : إن استغنى بالفطام عن اللبن ثم رضع في المدة لا تثبت الحرمة ، وإن لم يستغن تثبت .

قال : ( ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) لما روينا ( إلا أخت ابنه وأم أخته ) فإنها تحرم من النسب دون الرضاع ; لأن في النسب لما وطئ أم ابنه فقد حرمت عليه بناتها . وأم أخته موطوءة أبيه ولم يوجد ذلك في الرضاع .

قال : ( وإذا أرضعت المرأة صبية حرمت على زوجها وآبائه وأبنائه ) ، فتكون المرضعة أم الرضيع وأولادها إخوته وأخواته من تقدم ومن تأخر ، فلا يجوز أن يتزوج شيئا من ولدها وولد [ ص: 158 ] ولدها وإن سفلوا وآباؤها أجداده وأمهاتها جداته من قبل الأم ، وإخوتها وأخواتها أخواله وخالاته ، ويكون زوجها الذي نزل منه اللبن أب المرضعة وأولاده إخوتها وآباؤه وأمهاته أجدادها وجداتها من قبل الأب ، وإخوته وأخواته أعمامها وعماتها ، لا تحل مناكحة أحد منهن كما في النسب ، قال - عليه الصلاة والسلام - لعائشة : " ليلج عليك أفلح فإنه عمك من الرضاعة " ، ولو ولدت من رجل وأرضعت ثم يبس اللبن ثم در فأرضعت به صبيا يجوز لذلك الصبي أن يتزوج بنت الزوج من غيرها . وكذا لو لم تلد منه قط فنزل لها لبن ، وكذا لبن البكر إذا لم تتزوج إذا أرضعت به صبيا حرم عليها لا غير ، ولو أرضعت صبية لا تحرم على ولد زوجها من غيرها ، ولا يحل للرضيع أن يتزوج امرأة وطئها زوج المرضعة ; لأنها منكوحة الأب ، ولا للزوج أن يتزوج امرأة وطئها الرضيع ; لأنها موطوءة الابن كما في النسب .

قال : ( وإذا رضع صبيان من ثدي امرأة فهما أخوان ) لأن أمهما واحدة ، فلو كانا بنتين لا يجوز لأحد الجمع بينهما ، وكذا لو كان لرجل زوجتان ولدتا منه ثم أرضعت كل واحدة صغيرة صار الرضيعان أخوين من أب .

( وإن اجتمعا على لبن شاة فلا رضاع بينهما ) ; لأنه لم تثبت الحرمة بينه وبين الأم لتنتقل إلى الأخ إذ هي الأصل لأن الحرمة تثبت وفي الأم ثم تتعدى .

رجل طلق امرأته ولها لبن فتزوجت آخر وحبلت ونزل لها لبن فهو للأول ما لم تلد . وقال أبو يوسف : هو منهما إلا أن يعرف أنه من الثاني وإنه يعرف بالغلظ والرقة . وقال محمد : هو منهما ما لم تضع فإذا وضعت فمن الثاني لأنه من الأول بيقين ، واحتمل كونه من الثاني فيجعل منهما احتياطا للمحرمات ، وكذلك يقول أبو يوسف إلا إذا عرفنا أنه من الثاني فيجعل منه .

وأبو حنيفة يقول : هو من الأول بيقين ، ووقع الشك في كونه من الثاني ، والشك لا يعارض اليقين ، فإذا ولدت تيقنا أنه من الثاني ، ولا اعتبار بالغلظ والرقة ; لأن ذلك يتغير بتغير الأحوال والأغذية .

قال : ( وإذا اختلط اللبن بخلاف جنسه كالماء والدهن والنبيذ والدواء ولبن البهائم فالحكم للغالب ) فإن غلب اللبن تثبت الحرمة ، وإلا فلا ( وكذلك إن اختلط بجنسه بأن اختلط [ ص: 159 ] لبن امرأتين ) ، وقال محمد وزفر : تثبت الحرمة بهما لأن الشيء لا يصير مستهلكا بجنسه بل يتقوى به ، وكل واحد منهما سبب لإنبات اللحم وإنشاز العظم . ولنا أن منفعة المغلوب لا تظهر في مقابلة الغالب ، فإن قليل الماء إذا وقع في البحر لا يبقى لأجزائه منفعة لكثرة التفرق ، وإذا فاتت المنفعة بسبب الغلبة بقي حكم الرضاع للكثير .

( وإن اختلط بالطعام فلا حكم له وإن غلب ) ، وقالا : إن غلب تعلق به التحريم ، والخلاف في غير المطبوخ . أما المطبوخ لا تثبت به الحرمة بالإجماع . لهما أن حكم المغلوب لا يظهر في مقابلة الغالب فصار الحكم للبن وله أن الطعام يسلب قوة اللبن ، ولا يكتفي الصبي بشربه ، والتغذي يحصل بالطعام إذ هو الأصل فكان اللبن تبعا ، بخلاف الدواء لأنه يقوي اللبن ويزيد في قوته .

( وتتعلق الحرمة بلبن المرأة بعد موتها ) ; لأنه سبب لإنبات اللحم وإنشاز العظم ، ومعنى الغذاء لا يزول بالموت وصار كما إذا حلب منها حال حياتها .

( وكذلك تتعلق بلبن البكر ) لما بينا .

( ولا تتعلق بلبن الرجل ) لو نزل له لأنه ليس بلبن حقيقة ; لأن اللبن لا يكون إلا ممن يتصور منه الولادة كذا قالوا .

قال : ( ولا بالاحتقان ) ; لأنه لا يصل إلى المعدة فلا يحصل به النشو والنشوز وكذا إذا أقطر في إحليله أو أذنه أو جائفة أو آمة لما قلنا . وعن محمد أن الاحتقان تثبت به الحرمة قياسا على فساد الصوم . والفرق أن المفسد في الصوم التغذي أو التداوي وأنه حاصل بالاحتقان . أما الرضاع إنما يثبت بمعنى النشو وأنه معدوم في الاحتقان .

قال : ( وتتعلق بالاستعاط والإيجار ) ; لأنه يصل إلى المعدة فيحصل به النشو . امرأة أدخلت حلمة ثديها في فم رضيع ، ولا يدرى أدخل اللبن في حلقه أم لا لا يحرم النكاح ، وكذا صبية أرضعها بعض أهل القرية ولا يدرى من هو فتزوجها رجل من أهل تلك القرية يجوز ; لأن إباحة النكاح أصل فلا يزول بالشك ; ويجب على النساء أن لا يرضعن كل صبي من غير ضرورة ، فإن فعلن فليحفظنه أو يكتبنه احتياطا .

[ ص: 160 ] قال : ( وإذا أرضعت امرأته الكبيرة امرأته الصغيرة حرمتا على الزوج ) ; لأنهما صارتا أما وبنتا ، والرضاع الطارئ على النكاح كالمقارن في التحريم كحرمة المصاهرة ; لأنه لا بقاء للشيء مع المنافي ( ولا مهر للكبيرة إن كان قبل الدخول ) ; لأن الفرقة جاءت من قبلها ( وللصغيرة نصف المهر ) ; لأن الفرقة ليست من قبلها ، ولا اعتبار باختيارها الإرضاع ; لأنها مجبولة عليه طبعا ( ويرجع به على الكبيرة إن كانت تعمدت الفساد ) ; لأنها مسببة للفرقة ; لأن إلقاء الثدي في فمها سبب لوصول اللبن إلى جوفها ، والتسبيب يشترط فيه التعدي كحافر البئر ، وإن لم تتعمد الفساد فلا شيء عليها وإن علمت أنها زوجته لما بينا أنها مسببة ، والتعدي يثبت إذا علمت أنها زوجته وقصدت وقوع الفرقة بينهما ، ولو لم تعلم بالنكاح فلا شيء عليها ، وكذلك إن علمت بالنكاح لكن قصدت بالإرضاع دفع الجوع والهلاك عنها ; لأنها مأمورة بذلك ، وكذلك لو علمت بالنكاح دون الفساد لا تكون متعدية ( والقول قولها في التعمد مع يمينها ) ; لأنها تنكر الضمان ، ولو أرضعت زوجة الأب امرأة ابنه تحرم عليه ; لأنها صارت أخته من الأب . تزوج صغيرتين فأرضعتهما معا أو متعاقبا حرمتا عليه ، وعليه لكل واحدة نصف المهر ; لأنها مجبورة على الإرضاع بحكم الطبع ، ويرجع على المرضعة إن تعمدت الفساد على الوجه الذي بينا ; وإن كن ثلاثا فأرضعتهن على التعاقب حرمت الأولى والثانية دون الثالثة ; لأنها لما صارت أختا لهما لم يبق الجمع في النكاح ; وإن أرضعتهن معا ، بأن ألقت ثديها في فم اثنتين وكانت حلبت قبل ذلك فأوجرت الثالثة واتفق وصول اللبن إليهن معا حرمن جميعا ، وعلى هذا تخرج جميع مسائل هذا الجنس ، والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث