الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل منزلة التواضع

ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التواضع

قال الله تعالى : وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا أي سكينة ووقارا متواضعين ، غير أشرين ، ولا مرحين ولا متكبرين . قال الحسن : علماء حلماء . وقال محمد بن الحنفية : أصحاب وقار وعفة لا يسفهون . وإن سفه عليهم حلموا .

والهون بالفتح في اللغة : الرفق واللين . والهون بالضم : الهوان . فالمفتوح منه : صفة أهل الإيمان . والمضموم : صفة أهل الكفران . وجزاؤهم من الله النيران .

وقال تعالى : ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين .

لما كان الذل منهم ذل رحمة وعطف وشفقة وإخبات عداه بأداة على تضمينا لمعاني هذه الأفعال . فإنه لم يرد به ذل الهوان الذي صاحبه ذليل . وإنما هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبه ذلول ، فالمؤمن ذلول . كما في الحديث المؤمن كالجمل الذلول . والمنافق [ ص: 311 ] والفاسق ذليل وأربعة يعشقهم الذل أشد العشق : الكذاب . والنمام . والبخيل . والجبار .

وقوله : أعزة على الكافرين هو من عزة القوة والمنعة والغلبة . قال عطاء رضي الله عنه : للمؤمنين كالوالد لولده . وعلى الكافرين كالسبع على فريسته . كما قال في الآية الأخرى أشداء على الكفار رحماء بينهم وهذا عكس حال من قيل فيهم :


كبرا علينا ، وجبنا عن عدوكم لبئست الخلتان : الكبر ، والجبن

وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أوحى إلي : أن تواضعوا ، حتى لا يفخر أحد على أحد . ولا يبغي أحد على أحد .

وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر .

وفي الصحيحين مرفوعا ألا أخبركم بأهل النار ؟ كل عتل جواظ مستكبر .

وفي حديث احتجاج الجنة والنار أن النار قالت : ما لي لا يدخلني إلا الجبارون ، [ ص: 312 ] والمتكبرون ؟ وقالت الجنة : ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم . وهو في الصحيح .

وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد وعن أبي هريرة رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول الله عز وجل : العزة إزاري . والكبرياء ردائي . فمن نازعني عذبته .

وفي جامع الترمذي مرفوعا عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه : لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في ديوان الجبارين . فيصيبه ما أصابهم .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر على الصبيان فيسلم عليهم .

وكانت الأمة تأخذ بيده صلى الله عليه وسلم . فتنطلق به حيث شاءت .

وكان صلى الله عليه وسلم إذا أكل لعق أصابعه الثلاث .

وكان صلى الله عليه وسلم يكون في بيته في خدمة أهله ، ولم يكن ينتقم لنفسه قط .

[ ص: 313 ] وكان صلى الله عليه وسلم يخصف نعله ، ويرقع ثوبه ، ويحلب الشاة لأهله ، ويعلف البعير ويأكل مع الخادم . ويجالس المساكين ، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما ، ويبدأ من لقيه بالسلام ، ويجيب دعوة من دعاه . ولو إلى أيسر شيء .

وكان صلى الله عليه وسلم هين المؤنة ، لين الخلق . كريم الطبع . جميل المعاشرة . طلق الوجه بساما ، متواضعا من غير ذلة ، جوادا من غير سرف ، رقيق القلب رحيما بكل مسلم خافض الجناح للمؤمنين ، لين الجانب لهم .

وقال صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بمن يحرم على النار - أو تحرم عليه النار - تحرم على كل قريب هين لين سهل رواه الترمذي . وقال : حديث حسن .

وقال : لو دعيت إلى ذراع - أو كراع - لأجبت ، ولو أهدي إلي ذراع - أو كراع - لقبلت رواه البخاري .

[ ص: 314 ] وكان صلى الله عليه وسلم يعود المريض . ويشهد الجنازة . ويركب الحمار ، ويجيب دعوة العبد .

وكان يوم قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه إكاف من ليف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث