الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل

قال : الدرجة الثانية أن تقرب من يقصيك . وتكرم من يؤذيك . وتعتذر إلى من يجني عليك ، سماحة لا كظما ، ومودة لا مصابرة .

هذه الدرجة أعلى مما قبلها وأصعب . فإن الأولى : تتضمن ترك المقابلة والتغافل . وهذه تتضمن الإحسان إلى من أساء إليك ، ومعاملته بضد ما عاملك به . فيكون الإحسان والإساءة بينك وبينه خطتين . فخطتك : الإحسان . وخطته : الإساءة . وفي مثلها قال القائل :


إذا مرضنا أتيناكم نعودكم وتذنبون فنأتيكم ونعتذر

ومن أراد فهم هذه الدرجة كما ينبغي فلينظر إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس يجدها هذه بعينها . ولم يكن كمال هذه الدرجة لأحد سواه . ثم للورثة منها بحسب سهامهم من التركة . وما رأيت أحدا قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - وكان بعض أصحابه الأكابر يقول : وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه .

[ ص: 329 ] وما رأيته يدعو على أحد منهم قط ، وكان يدعو لهم .

وجئت يوما مبشرا له بموت أكبر أعدائه ، وأشدهم عداوة وأذى له . فنهرني وتنكر لي واسترجع . ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم ، وقال : إني لكم مكانه ، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه . ونحو هذا من الكلام . فسروا به ودعوا له . وعظموا هذه الحال منه . فرحمه الله ورضي عنه . وهذا مفهوم .

وأما الاعتذار إلى من يجني عليك فإنه غير مفهوم في بادي الرأي ، إذ لم يصدر منك جناية توجب اعتذارا ، وغايتك : أنك لا تؤاخذه . فهل تعتذر إليه من ترك المؤاخذة .

ومعنى هذا : أنك تنزل نفسك منزلة الجاني لا المجني عليه . والجاني خليق بالعذر .

والذي يشهدك هذا المشهد : أنك تعلم أنه إنما سلط عليك بذنب ، كما قال تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير .

فإذا علمت أنك بدأت بالجناية فانتقم بالله منك على يده - كنت في الحقيقة أولى بالاعتذار .

والذي يهون عليك هذا كله : مشاهدة تلك المشاهد العشرة المتقدمة . فعليك بها . فإن فيها كنوز المعرفة والبر .

وقوله : سماحة لا كظما . ومودة ، لا مصابرة .

يعني : اجعل هذه المعاملة منك صادرة عن سماحة ، وطيبة نفس ، وانشراح صدر ، لا عن كظم ، وضيق ومصابرة . فإن ذلك دليل على أن هذا ليس في خلقك . وإنما هو تكلف يوشك أن يزول ويظهر حكم الخلق صريحا فتفتضح . وليس المقصود إلا إصلاح الباطن والسر والقلب .

وهذا الذي قاله الشيخ لا يمكن إلا بعد العبور على جسر المصابرة والكظم . فإذا تمكن منه أفضى به إلى هذه المنزلة بعون الله . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث