الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


120 - الحديث الأول : عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال { علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد - كفي بين كفيه - كما يعلمني السورة من القرآن : التحيات لله ، والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله } وفي لفظ { إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل : التحيات لله - وذكره - وفيه : فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض - وفيه - فليتخير من المسألة ما شاء } .

التالي السابق


اختلف العلماء في حكم التشهد . فقيل : إن الأخير واجب . وهو مذهب الشافعي . وظاهر مذهب مالك : أنه سنة . واستدل للوجوب بقوله " فليقل " والأمر للوجوب ، إلا أن مذهب الشافعي : أن مجموع ما توجه إليه ظاهر الأمر ليس [ ص: 307 ] بواجب بل الواجب بعضه . وهو " التحيات لله . سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته " من غير إيجاب ما بين ذلك من " المباركات والصلوات والطيبات " وكذلك أيضا لا يوجب كل ما بعد السلام على النبي صلى الله عليه وسلم على اللفظ الذي توجه إليه الأمر بل الواجب بعضه . واختلفوا فيه . وعلل هذا الاقتصار على بعض ما في الحديث بأنه المتكرر في جميع الروايات . وعليه إشكال لأن الزائد في بعض الروايات زيادة من عدل فيجب قبولها إذا توجه الأمر إليها . .



واختلف الفقهاء في المختار من ألفاظ التشهد . فإن الروايات اختلفت فيه . فقال أبو حنيفة وأحمد : باختيار تشهد ابن مسعود هذا . وقيل : إنه أصح ما روي في التشهد . وقال الشافعي باختيار تشهد ابن عباس . وهو في كتاب مسلم ، لم يذكره المصنف . ورجح من اختار تشهد ابن مسعود - بعد كونه متفقا عليه في الصحيحين بأن واو العطف تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه . فتكون كل جملة ثناء مستقلا . وإذا أسقطت واو العطف : كان ما عدا اللفظ الأول صفة له . فيكون جملة واحدة في الثناء . والأول أبلغ . فكان أولى . وزاد بعض الحنفية في تقرير هذا بأن قال : لو قال والله ، والرحمن ، والرحيم " لكانت أيمانا متعددة تتعدد بها الكفارة . ولو قال " والله الرحمن الرحيم " لكانت يمينا واحدة . فيها كفارة واحدة . هذا أو معناه .

ورأيت بعض من رجح مذهب الشافعي - في اختيار تشهد ابن عباس - أجاب عن هذا بأن قال : واو العطف . قد تسقط . وأنشد في ذلك :

كيف أصبحت كيف أمسيت مما

والمراد بذلك كيف أصبحت وكيف أمسيت . وهذا أولا إسقاط للواو العاطفة في عطف الجمل . ومسألتنا في إسقاطها في عطف المفردات وهو أضعف من إسقاطها في عطف الجمل ولو كان غير ضعيف لم يمتنع الترجيح بوقوع التصريح بما يقتضي تعدد الثناء ، بخلاف ما لم يصرح به فيه . [ ص: 308 ] وترجيح آخر لتشهد ابن مسعود : وهو أن " السلام " معرف في تشهد ابن مسعود ، منكر في تشهد ابن عباس . والتعريف أعم . واختار مالك تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي علمه الناس على المنبر ورجحه أصحابه بشهرة هذا التعليم ، ووقوعه على رءوس الصحابة ، من غير نكير فيكون كالإجماع . ويترجح عليه تشهد ابن مسعود وابن عباس بأن رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مصرح به . ورفع تشهد عمر بطريق استدلالي . وقد رجح اختيار الشافعي لتشهد ابن عباس : بأن اللفظ الذي وقع فيه مما يدل على العناية بتعلمه وتعليمه . وهو قوله " كان يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن " وهذا ترجيح مشترك . لأن هذا أيضا ورد في تشهد ابن مسعود ، كما ذكر المصنف . ورجح اختيار الشافعي بأن فيه زيادة " المباركات " وبأنه أقرب إلى لفظ القرآن قال الله تعالى { تحية من عند الله مباركة طيبة } . " والتحيات " جمع التحية . وهي الملك . وقيل : السلام . وقيل : العظمة . وقيل : البقاء . فإذا حمل على " السلام " فيكون التقدير : التحيات التي تعظم بها الملوك - مثلا - مستحقة لله تعالى . وإذا حمل على " البقاء " فلا شك في اختصاص الله تعالى به . وإذا حمل على " الملك والعظمة " فيكون معناه : الملك الحقيقي التام لله . والعظمة الكاملة لله . لأن ما سوى ملكه وعظمته تعالى فهو ناقص . " والصلوات " يحتمل أن يراد بها الصلوات المعهودة . ويكون التقدير : إنها واجبة لله تعالى . لا يجوز أن يقصد بها غيره ، أو يكون ذلك إخبارا عن إخلاصنا الصلوات له ، أي إن صلواتنا مخلصة له لا لغيره .

ويحتمل أن يراد بالصلوات : الرحمة . ويكون معنى قوله " لله " أي المتفضل بها والمعطي : هو الله . لأن الرحمة التامة لله تعالى ، لا لغيره . وقرر بعض المتكلمين في هذا فصلا . بأن قال ما معناه إن كل من رحم أحدا فرحمته له بسبب ما حصل له عليه من الرقة . [ ص: 309 ] فهو برحمته دافع لألم الرقة عن نفسه ، بخلاف رحمة الله تعالى . فإنها لمجرد إيصال النفع إلى العبد . وأما " الطيبات " فقد فسرت بالأقوال الطيبات . ولعل تفسيرها بما هو أعم أولى . أعني : الطيبات من الأفعال ، والأقوال ، والأوصاف . وطيب الأوصاف : بكونها بصفة الكمال وخلوصها عن شوائب النقص . وقوله " السلام عليك أيها النبي " قيل : معناه التعوذ باسم الله ، الذي هو " السلام " كما تقول : الله معك ، أي الله متوليك ، وكفيل بك . وقيل : معناه السلام والنجاة لكم ، كما في قوله تعالى { فسلام لك من أصحاب اليمين } وقيل الانقياد لك ، كما في قوله تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } وليس يخلو بعض هذا من ضعف . لأنه لا يتعدى " السلام " ببعض هذه المعاني بكلمة " على " . وقوله " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " لفظ عموم . وقد دل عليه قوله عليه السلام " فإنه إذا قال ذلك : أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض " وقد كانوا يقولون " السلام على الله . السلام على فلان " حتى علموا هذه اللفظة من قبله عليه السلام ، وفي قوله عليه السلام " فإنه إذا قال ذلك : أصابت كل عبد صالح " دليل على أن للعموم صيغة .

وأن هذه الصيغة للعموم . كما هو مذهب الفقهاء ، خلافا لمن توقف في ذلك من الأصوليين . وهو مقطوع به من لسان العرب ، وتصرفات ألفاظ الكتاب والسنة عندنا . ومن تتبع ذلك وجده . واستدلالنا بهذا الحديث ذكر لفرد من أفراد لا يحصي الجمع لأمثالها ، لا للاقتصار عليه . وإنما خص " العباد الصالحون " لأنه كلام ثناء وتعظيم . وقوله عليه السلام " ثم ليتخير من المسألة ما شاء " دليل على جواز كل سؤال يتعلق بالدنيا والآخرة ، إلا أن بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي : استثنى بعض صور من الدعاء تقبح ، ما لو قال : اللهم أعطني امرأة صفتها كذا وكذا . وأخذ يذكر أوصاف أعضائها . ويستدل بهذا الحديث على عدم كون الصلاة على [ ص: 310 ] النبي صلى الله عليه وسلم ركنا في التشهد ، من حيث إن النبي قد علم التشهد ، وأمر عقيبة : أن يتخير من المسألة ما شاء . ولم يعلم ذلك . وموضع التعليم لا يؤخر وقت بيان الواجب عنه ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث