الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون "

[ ص: 593 ] القول في تأويل قوله تعالى : ( ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ( 51 ) الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ( 52 ) )

يقول تعالى ذكره : ولقد وصلنا يا محمد ، لقومك من قريش ولليهود من بني إسرائيل القول بأخبار الماضين والنبأ عما أحللنا بهم من بأسنا ، إذ كذبوا رسلنا ، وعما نحن فاعلون بمن اقتفى آثارهم ، واحتذى في الكفر بالله ، وتكذيب رسله مثالهم ، ليتذكروا فيعتبروا ويتعظوا . وأصله من : وصل الحبال بعضها ببعض ; ومنه قول الشاعر :


فقل لبني مروان ما بال ذمة وحبل ضعيف ما يزال يوصل



وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ، وإن اختلفت ألفاظهم ببيانهم عن تأويله ، فقال بعضهم : معناه : بينا . وقال بعضهم : معناه : فصلنا .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن أبيه ، عن ليث ، عن مجاهد ، قوله : ( ولقد وصلنا لهم القول ) قال : فصلنا لهم القول .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( ولقد وصلنا لهم القول ) قال : وصل الله لهم القول في هذا القرآن ، يخبرهم كيف صنع بمن مضى ، وكيف هو صانع ( لعلهم يتذكرون ) .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا محمد بن عيسى أبو جعفر ، عن سفيان بن عيينة : وصلنا : بينا .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( ولقد وصلنا لهم ) الخبر ، خبر الدنيا بخبر الآخرة ، حتى كأنهم عاينوا الآخرة ، وشهدوها في الدنيا ، بما نريهم من الآيات في الدنيا وأشباهها . وقرأ : ( إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ) وقال : إنا سوف ننجزهم ما وعدناهم في الآخرة كما أنجزنا للأنبياء ما وعدناهم نقضي بينهم وبين قومهم . [ ص: 594 ]

واختلف أهل التأويل ، فيمن عنى بالهاء والميم من قوله : ( ولقد وصلنا لهم ) فقال بعضهم : عنى بهما قريشا .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ( ولقد وصلنا لهم القول ) قال : قريش .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ( ولقد وصلنا لهم القول ) قال : لقريش .

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ( ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ) قال : يعني محمدا صلى الله عليه وسلم .

وقال آخرون : عنى بهما اليهود .

ذكر من قال ذلك :

حدثني بشر بن آدم ، قال : ثنا عفان بن مسلم ، قال : ثنا حماد بن سلمة ، قال : ثنا عمرو بن دينار ، عن يحيى بن جعدة ، عن رفاعة القرظي ، قال : نزلت هذه الآية في عشرة أنا أحدهم ( ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ) .

حدثنا ابن سنان ، قال : ثنا حيان ، قال : ثنا حماد ، عن عمرو ، عن يحيى بن جعدة ، عن عطية القرظي قال : نزلت هذه الآية ( ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ) حتى بلغ : ( إنا كنا من قبله مسلمين ) في عشرة أنا أحدهم ، فكأن ابن عباس أراد بقوله : يعني محمدا ، لعلهم يتذكرون عهد الله في محمد إليهم ، فيقرون بنبوته ويصدقونه .

وقوله : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ) يعني بذلك تعالى ذكره قوما من أهل الكتاب آمنوا برسوله وصدقوه ، فقال الذين آتيناهم الكتاب من قبل هذا القرآن ، هم بهذا القرآن يؤمنون . فيقرون أنه حق من عند الله ، ويكذب جهلة الأميين ، الذين لم يأتهم من الله كتاب . [ ص: 595 ]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثنى أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثنى أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ) قال : يعني من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به ) . . . إلى قوله : ( لا نبتغي الجاهلين ) في مسلمة أهل الكتاب .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله ) . . . إلى قوله : ( الجاهلين ) قال : هم مسلمة أهل الكتاب .

قال ابن جريج : أخبرني عمرو بن دينار : أن يحيى بن جعدة أخبره ، عن علي بن رفاعة ، قال : خرج عشرة رهط من أهل الكتاب ، منهم أبو رفاعة ، يعني أباه ، إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فآمنوا ، فأوذوا ، فنزلت : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله ) قبل القرآن .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ) قال : كنا نحدث أنها نزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق ، يأخذون بها ، وينتهون إليها ، حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ، فآمنوا به ، وصدقوا به ، فأعطاهم الله أجرهم مرتين ، بصبرهم على الكتاب الأول ، واتباعهم محمدا صلى الله عليه وسلم ، وصبرهم على ذلك ، وذكر أن منهم سلمان ، وعبد الله بن سلام .

حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ) . . . إلى قوله : ( من قبله مسلمين ) ناس من أهل الكتاب آمنوا بالتوراة والإنجيل ، ثم أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم ، فآمنوا به . فآتاهم الله أجرهم مرتين بما صبروا : بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث ، وباتباعهم إياه حين بعث ، فذلك قوله : ( إنا كنا من قبله مسلمين ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث