الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 425 ] النوع الخامس والأربعون

في أقسام معنى الكلام

زعم قوم أن معاني القرآن لا تنحصر ، ولم يتعرضوا لحصرها ، وحكاية ابن السيد عن أكثر البصريين في زمانه .

وقيل : قسمان : خبر ، وغير خبر .

وقيل : عشرة : نداء ، ومسألة ، وأمر ، وتشفع ، وتعجب ، وقسم ، وشرط ، ووضع ، وشك ، واستفهام .

وقيل : تسعة ، وأسقطوا الاستفهام لدخوله في المسألة .

وقيل : ثمانية ، وأسقطوا التشفع لدخوله في المسألة .

وقيل : سبعة ، وأسقطوا الشك لأنه في قسم الخبر .

وكان أبو الحسن الأخفش يرى أنها ستة أيضا ، وهي عنده : الخبر والاستخبار ، والأمر والنهي ، والنداء ، والتمني .

وقيل : خمسة : الخبر ، والأمر ، والتصريح ، والطلب ، والنداء ، وقيل غير ذلك .

الأول : الخبر

والقصد به إفادة المخاطب ، وقد يشرب مع ذلك معاني أخر :

منها التعجب ، قال ابن فارس : وهو تفضيل الشيء على أضرابه . وقال ابن الضائع : استعظام صفة خرج بها المتعجب منه عن نظائره ، نحو : ما أحسن زيدا ! وأحسن [ ص: 426 ] به ! استعظمت حسنه على حسن غيره .

وقال الزمخشري في تفسير سورة الصف : معنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين ؛ لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله .

وقال الرماني : المطلوب في التعجب الإبهام ؛ لأن من شأن الناس أن يتعجبوا مما لا يعرف سببه ، وكلما استبهم السبب كان التعجب أحسن ؛ قال : وأصل التعجب إنما هو للمعنى الخفي سببه ، والصيغة الدالة عليه تسمى تعجبا ، يعني مجازا . قال : ومن أجل الإبهام لم تعمل " نعم " إلا في الجنس من أجل التفخيم ؛ ليقع التفسير على نحو التفخيم بالإضمار قبل الذكر .

ثم قد وضعوا للتعجب صيغا من لفظه ، وهي : ما أفعله ، وأفعل به ، وصيغا من غير لفظه نحو " كبر " في نحو : كبرت كلمة تخرج من أفواههم ( الكهف : 5 ) ، كبر مقتا عند الله ( الصف : 3 ) ، كيف تكفرون بالله ( البقرة : 28 ) واحتج الثمانيني على أنه خبر بقوله - تعالى - : أسمع بهم وأبصر ( مريم : 38 ) تقديره : ما أسمعهم وأبصرهم ! والله - سبحانه - لم يتعجب بهم ، ولكن دل المكلفين على أن هؤلاء قد نزلوا منزلة من يتعجب منه ، وهنا مسألتان :

الأولى : قيل : لا يتعجب من فعل الله ، فلا يقال : ما أعظم الله ؛ لأنه يؤول إلى : شيء عظم الله ، كما في غيره من صيغ التعجب ، وصفات الله - تعالى - قديمة . وقيل : بجوازه باعتبار أنه يحب تعظيم الله بشيء من صفاته ، فهو يرجع لاعتقاد العباد عظمته وقدرته ، وقد قال الشاعر :

[ ص: 427 ]

ما أقدر الله أن يدني على شحط من داره الحزن ممن داره صول

والأولون قالوا : هذا أعرابي جاهل بصفات الله . وقال بعض المحققين : التعحب إنما يقال لتعظيم الأمر المتعجب منه ، ولا يخطر بالبال أن شيئا صيره كذلك ، وخفي علينا ، فلا يمتنع حينئذ التعجب من فعل الله .

والثانية : هل يجوز إطلاق التعجب في حق الله - تعالى ؟ فقيل : بالمنع ؛ لأن التعجب استعظام ويصحبه الجهل ، والله - سبحانه - منزه عن ذلك ، وبه جزم ابن عصفور في المقرب .

قال : فإن ورد ما ظاهره ذلك صرف إلى المخاطب ، كقوله : فما أصبرهم على النار ( البقرة : 175 ) أي هؤلاء يجب أن يتعجب منهم .

وقيل بالجواز لقوله : فما أصبرهم على النار ( البقرة : 175 ) إن قلنا : " ما " تعجبية لا استفهامية ، وقوله : ( بل عجبت ) ( الصافات : 12 ) في قراءة بعضهم بالضم .

والمختار الأول ، وما وقع منه أول بالنظر إلى المخاطب ، أي علمت أسباب ما يتعجب منه العباد ، فسمى العلم بالعجب عجبا .

وأصل الخلاف في هذه المسألة يلتف على خلاف آخر ، وهو أن حقيقة التعجب ؛ هل يشترط فيه خفاء سببه فيتحير فيه المتعجب منه أو لا ؟ ولم يقع في القرآن صيغة التعجب إلا قوله : [ ص: 428 ] فما أصبرهم على النار ( البقرة : 175 ) وقوله : قتل الإنسان ما أكفره ( عبس : 17 ) و ( ياأيها الإنسان ما غرك ) ( الانفطار : 6 ) في قراءة من زاد الهمزة .

ثم قال المحققون : التعجب مصروف إلى المخاطب ، ولهذا تلطف الزمخشري فيعبر عنه بالتعجب ، ومجيء التعجب من الله كمجيء الدعاء منه والترجي ؛ وإنما هذا بالنظر إلى ما تفهمه العرب ، أي هؤلاء عندكم ممن يجب أن تقولوا لهم هذه . وكذلك تفسير سيبويه قوله - تعالى - : لعله يتذكر أو يخشى ( طه : 44 ) قال : المعنى : اذهبا على رجائكما وطمعكما . قال ابن الضائع : وهو حسن جدا .

قلت : وذكر سيبويه أيضا قوله - تعالى - : ويل يومئذ للمكذبين ( المرسلات : 15 ) ، ويل للمطففين ( المطففين : 1 ) فقال : لا ينبغي أن تقول إنه دعاء هاهنا ، لأن الكلام بذلك قبيح ، ولكن العباد إنما كلموا بكلامهم ، وجاء القرآن على لغتهم وعلى ما يعنون فكأنه - والله أعلم - قيل لهم : ويل للمطففين ( المطففين : 1 ) و ويل يومئذ للمكذبين ( المرسلات : 15 ) أي هؤلاء ممن وجب هذا القول لهم ؛ لأن هذا الكلام إنما يقال لصاحب الشر والهلكة ، فقيل : هؤلاء ممن دخل في الهلكة ، ووجب لهم هذا . انتهى .

ومنها الأمر كقوله - تعالى - : والمطلقات يتربصن ( البقرة : 228 ) ، والوالدات يرضعن ( البقرة : 233 ) فإن السياق يدل على أن الله - تعالى - أمر بذلك ؛ لا أنه خبر وإلا لزم الخلف في الخبر ، وسبق في المجاز .

ومنها النهي ، كقوله - تعالى - : لا يمسه إلا المطهرون ( الواقعة : 79 ) .

ومنها الوعد ، كقوله : سنريهم آياتنا في الآفاق ( فصلت : 53 ) .

[ ص: 429 ] ومنها الوعيد كقوله - تعالى - : وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ( الشعراء : 227 ) .

ومنها الإنكار والتبكيت ، نحو : ذق إنك أنت العزيز الكريم ( الدخان : 49 ) .

ومنها الدعاء ، كقوله - تعالى - : إياك نعبد وإياك نستعين ( الفاتحة : 5 ) أي أعنا على عبادتك .

وربما كان اللفظ خبرا والمعنى شرطا وجزاء ؛ كقوله : إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون ( الدخان : 15 ) فظاهره خبر ، والمعنى : إنا إن نكشف عنكم العذاب تعودوا .

ومنه قوله : الطلاق مرتان ( البقرة : 229 ) من طلق امرأته مرتين فليمسكها بعدهما بمعروف ، أو يسرحها بإحسان .

ومنها التمني ، وكلمته الموضوعة له " ليت " وقد يستعمل فيه ثلاثة أحرف .

أحدها : " هل " ، كقوله : فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ( الأعراف : 53 ) حملت " هل " على إفادة التمني لعدم التصديق بوجود شفيع في ذلك المقام ، فيتولد التمني بمعونة قرينة الحال .

والثاني : " لو " سواء كانت مع " ود " كقوله - تعالى - : ( ودوا لو تدهن فيدهنون ) ( القلم : 9 ) بالنصب ، أو لم تكن ، كقوله - تعالى - : لو أن لي بكم قوة ( هود : 80 ) ، وقوله : لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم ( البقرة : 167 ) ، لو أن لي كرة فأكون ( الزمر : 58 ) .

والثالث : " لعل " كقوله - تعالى - : ( لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع ) ( غافر : 36 ، 37 ) في قراءة النصب .

[ ص: 430 ] واختلف هل التمني خبر ومعناه النفي ، أو ليس بخبر ، ولهذا لا يدخله التصديق والتكذيب ؛ قولان عن أهل العربية ، حكاهما ابن فارس في كتاب " فقه العربية " . والزمخشري بنى كلامه على أنه ليس بخبر ، واستشكل دخول التكذيب في جوابه ، وفي قوله - تعالى - : ياليتنا نرد ولا نكذب ( الأنعام : 27 ) إلى قوله : وإنهم لكاذبون ( الأنعام : 28 ) وأجاب بتضمنه معنى العدة ، فدخله التكذيب .

وقال ابن الضائع : التمني حقيقة لا يصح فيه الكذب ؛ وإنما يرد الكذب في التمني الذي يترجح عند صاحبه وقوعه ؛ فهو إذن وارد على ذلك الاعتقاد الذي هو ظن ، وهو خبر صحيح .

قال : وليس المعنى في قوله : وإنهم لكاذبون ( الأنعام : 28 ) أن ما تمنوا ليس بواقع ؛ لأنه ورد في معرض الذم لهم ، وليس في ذلك المعنى ذم ، بل التكذيب ورد على إخبارهم عن أنفسهم أنهم لا يكذبون ، وأنهم يؤمنون .

ومنها الترجي ؛ والفرق بينه وبين التمني أن الترجي لا يكون إلا في الممكنات ، والتمني يدخل المستحيلات .

ومنها النداء ؛ وهو طلب إقبال المدعو على الداعي بحرف مخصوص ، وإنما يصحب في الأكثر الأمر والنهي كقوله : ياأيها الناس اعبدوا ربكم ( البقرة : 21 ) ياأيها النبي اتق الله ( الأحزاب : 1 ) ، ياعباد فاتقون ( الزمر : 16 ) ، ويا قوم استغفروا ربكم ( هود : 52 ) ، ياأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ( الحجرات : 1 ) ، ياأيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم ( التحريم : 7 ) .

وربما تقدمت جملة الأمر جملة النداء ، كقوله - تعالى - : وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ( النور : 31 ) .

وإذا جاءت جملة الخبر بعد النداء تتبعها جملة الأمر ، كما في قوله - تعالى - : ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ( الحج : 73 ) . وقد تجيء معه الجمل الاستفهامية [ ص: 431 ] والخبرية ، كقوله - تعالى - في الخبر : ياعباد لا خوف عليكم ( الزخرف : 68 ) ، و ياأبت هذا تأويل رؤياي من قبل ( يوسف : 100 ) ، ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية ( هود : 64 ) ، ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله ( فاطر : 15 ) وفي الاستفهام : ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ( مريم : 42 ) ، ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة ( غافر : 41 ) ياأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ( الصف : 2 ) ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ( التحريم : 1 ) .

وهنا فائدتان :

إحداهما : قال الزمخشري - رحمه الله - كل نداء في كتاب الله يعقبه فهم في الدين ، إما من ناحية الأوامر والنواهي التي عقدت بها سعادة الدارين ، وإما مواعظ وزواجر وقصص لهذا المعنى ؛ كل ذلك راجع إلى الدين الذي خلق الخلق لأجله ، وقامت السماوات والأرض به ، فكان حق هذه أن تدرك بهذه الصيغة البليغة .

الثانية : النداء إنما يكون للبعيد حقيقة أو حكما ؛ وفي قوله - تعالى - : وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ( مريم : 52 ) لطيفة ؛ فإنه - تعالى - بين أنه كما ناداه ناجاه أيضا ؛ والنداء مخاطبة الأبعد ، والمناجاة مخاطبة الأقرب ، ولأجل هذه اللطيفة أخبر - سبحانه - عن مخاطبته لآدم وحواء ، بقوله : وقلنا ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة ( البقرة : 35 ) .

وفي موضع : ويا آدم اسكن ( الأعراف : 19 ) ثم لما حكى عنهما ملابسة المخالفة ، قال في وصف خطابه لهما : وناداهما ربهما ( الأعراف : 22 ) فأشعر هذا اللفظ بالبعد لأجل المخالفة ، كما أشعر اللفظ الأول بالقرب عند السلامة منها .

وقد يستعمل النداء في غير معناه مجازا في مواضع :

الأول : الإغراء والتحذير ، وقد اجتمعا في قوله - تعالى - : ناقة الله وسقياها ( الشمس : 13 ) والإغراء أمر معناه الترغيب والتحريض ، ولهذا خصوا به المخاطب .

[ ص: 432 ] الثاني : الاختصاص ؛ وهو كالنداء إلا أنه لا حرف فيه .

الثالث : التنبيه ، نحو : ياليتني مت قبل هذا ( مريم : 23 ) لأن حرف النداء يختص بالأسماء .

وقال النحاس في قوله - تعالى - : ياويلتى ( الفرقان : 28 ) نداء مضاف ، والفائدة فيه أن معناه : هذا وقت حضور الويل . وقال الفارسي في قوله - تعالى - : ياحسرة على العباد ( يس : 30 ) معناه أنه لو كانت الحسرة مما يصح نداه لكان هذا وقتها .

وقد اختلف في أن النداء خبر أم لا ، قال أبو البقاء في شرح الإيضاح : ذهب الجميع إلى أن قولك : يا زيد ، ليس بخبر محتمل للتصديق والتكذيب ، إنما هو بمنزلة الإشارة والتصويت . واختلفوا في قولك : يا فاسق فالأكثرون على أنه ليس بخبر أيضا ، قال أبو علي الفارسي : خبر لأنه تضمن نسبته للفسق .

ومنها الدعاء ، نحو : تبت يدا أبي لهب ( المسد : 1 ) وقوله : قاتلهم الله ( المنافقون : 4 ) ، حصرت صدورهم ( النساء : 90 ) ، ويل للمطففين ( المطففين : 1 ) .

قال سيبويه : هذا دعاء وأنكره ابن الطراوة لاستحالته هنا ، وجوابه أنه مصروف [ ص: 433 ] للخلق وإعلامهم بأنهم أهل لأن يدعى عليهم ، كما في الرجاء وغيره مما سبق .

فائدة

ذكر الزمخشري أن الاستعطاف ، نحو : تالله هل قام زيد - قسم ، والصحيح أنه ليس بقسم ، لكونه خبرا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث